فتتجه القلوب - تحت تأثير هذه الرقابة المسيطرة العليمة التي لَا تغادر صغيرة ولا كبيرة - إليه سبحانه وحده، ولا تتجه إلى سواه.
وفوق ذلك فإن لذلك التذييل السامي معنى آخر مناسبًا مناسبة أخص للسياق الخاص بحسن القصد في الإنفاق، وهو بيان أن الله سبحانه وتعالى يعلم الذين أخلصت قلوبهم في الصدقة فلم تبتغ رضا أحد غير الله تعالى، فيجازيها على إخلاصها في النية، واحتسابها الخير لوجه الله الكريم، ويعلم من ينفق رياء أو يتبع ما ينفق بالمن والأذى فيحبط عمله.
وإن عبارات التذييل في ذاتها تربي المهابة للذات العلية في النفس التي تريد ما عند الله تعالى؛ فإنه قد صدَّر الجملة السامية بلفظ الجلالة الذي يدل في ذاته على العلو والسلطان والألوهية الحق؛ ثم إن هذا القاهر فوق عباده يعلم علم من يبصر ويعاين ويرى بكل ما يعمله الناس من خير وشر، وما يقصدون في صدقاتهم، فإن أرادوا رضاه فقد آووا إلى ركن حصين، وإن قصدوا سواه فهم على شفا جرف هار، وسينهار بهم في نار جهنم، فلا أموالهم بقيت لهم، ولا الثواب نالوا، بل العقوبة تستقبلهم ومقت الناس يلحقهم، والله من ورائهم محيط.
* * *
(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ (٢٦٦)
* * *
هذا مثل ثان يذكره سبحانه وتعالى في بيان أولئك الذين يحبطون أعمالهم من صدقات أو صلوات أو حج وغير ذلك من أعمال البر بالرياء أو المن والأذى، أو التطاول على الناس بما يزعمون لأنفسهم من عمل خير قاموا به.
وهو يختلف عن التشبيه السابق من ناحيتين:
أولاهما: في الشكل، فإن التشبيه الأول كان بصريح اللفظ، وقد ذكر فيه المشبه والمشبه به وأداة التشبيه وهي الكاف في قوله تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ)؛ أما هذا التشبيه فلم يذكر فيه الشبه ولا أداة التشبيه، وهو من النوع البياني الذي يسميه علماء البلاغة " استعارة تمثيلية " وهي تشبيه حال بحال لم تذكر فيه أداة التشبيه ولا المشبه، بل ذكر المشبه به فقط، وقامت قرائن تدل على إرادة التشبيه.


الصفحة التالية
Icon