مَنٌّ أو أذى، فلا يُشعر المعطي من أعطاه بمنة العطاء، ويستكثر عليه ما أعطاه، ولا يؤذيه بإعلان عطائه أو توجيه كلمات مذلة، فحسبه أن يده هي الدنيا، ويد المعطي العليا، والنبي - ﷺ - قال: " اليد العليا خير من اليد السفلى " (١) فلا يصح أن يجمع عليه بين هذا الضعف مع المن وأذى الكشف والإعلان في مواطن لَا يحسن الإعلان فيها. وفي هذه الآيات التي نتكلم في معانيها السامية الآن بيان المال الذي يكون منه العطاء، ففي الآيات السابقة كان بيان مقاصد العطاء وما يقترب به وما يعقبه، وفي هذه الآيات بيان المال الذي يكون منه العطاء؛ وأن تخير المال واصطفاءه يدل على مقدار الصفاء في النية، فمن اختار عند العطاء أجود ماله، كان ذلك دليلا على حسن القصد إن لم يصحب العطاء مَنٌّ أو أذى أو رياء، وإن اتجه إلى غير الجيد من ماله يعطيه كان ذلك دليلا على ضعف العزيمة وشح النفس (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
ولذلك بين سبحانه عقب المطالبة بأن يكون ابتغاء مرضاة الله أنه لَا يسوغ أن يكون الإنفاق من الرديء دون الجيد، ومن الخبيث دون الطيب، فقال تعالت كلماته:
________
(١) رواه البخاري: الزكاة - لَا صدقة إلا عن ظهر غنى (١٣٣٨)، ومسلم بنحوه عن ابن عمر: الزكاة -[بَيَان أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى] (١٧١٥).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَياتِ مَا كسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) ابتدأ سبحانه بالنداء بالبعيد للدلالة على عموم النداء للمؤمنين في كل الأجيال من وقت البعث المحمدي إلى يوم القيامة، وكان النداء للمؤمنين لبيان أن من أخلاق أهل الإيمان أن يتصدقوا من الطيب لَا من الخبيث، ومما تحبه النفس لَا مما تزهد فيه، فليس من مقتضيات الإيمان في شيء أن يجيء الرجل إلى أخبث ماله أو الخبيث فينفق منه لزهادته فيه، ولرغبته عنه، وعدم اتجاهه إلى الانتفاع به، إذ لَا يكون فيه معاناة لعمل الخير، ولا مصابرة في إرادته، ولا جهاد نفسي للحمل على الفعل؛ والأجر على قدر كف النفس عن الهوى، ومشقة الإرادة في التغلب عليه.


الصفحة التالية
Icon