قصدت امرأة عمران تلك العبادة واحتسبت هذه النية راجية ما عند ربها، وأول رجائها أن يقبل نذرها، ولذلك تضرعت إليه أن يقبل فقالت: (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). أي أضرع إليك أن تقبل نذري، فإنك سمعت ما قلت، وما حدثت به نفسي، وما احتسبت به القربى عندك، فكان النذر بذاته عبادة، وكان الدعاء بالقبول عبادة أخرى، فان الدعاء مخ العبادة، خصوصا في ذلك المقام الروحاني السامي الجليل، والتقبل هو الأخذ بالأمر في طريق القبول، حتى يتم القبول، فكأنها ما كانت تطمع في القبول بادئ ذي بدء، بل تطمع في أن ينظر في الأمر نظرة رضا حتى ينال القبول، وتلك مرتبة الصديقين يستصغرون أعمالهم بجوار رضا الله. ولقد كانت إجابة الله تعالى لهذه العبادة التي طويت في ثنايا النذر، والعبادة الأخرى التي طويت في ثنايا ذلك الدعاء الضارع، ما حكاه بقوله تعالى من بعد لما وضعتها:
* * *
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بقَبُولٍ حَسَنٍ... (٣٧)
* * *
وهي في نذرها وفي ضراعتها لقبول هذا النذر كانت تفرض أن الحمل ذكر، لأنه هو الذي يصلح لسدانة المسجد الأقصى والبيت المقدس، ولكنها عند الولادة تبين أنها أنثى، فذكرت ذلك، وأشارت في ذكرها إلى تقديرها وفرضها، ولذا حكى الله عنها أنها قالت:
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) أي أنها قدرت الحمل ذكرا، وقدرت لذلك أن يكون في خدمة البيت وأنها لذلك تتحسر، لأنه لَا يستطيع المولود بعد أن تبين أنه أنثى الخدمة، فليس في هذه الخدمة المقدسة الذكر كالأنثى، فإن الأنثى لَا تستطيع ذلك. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) جملة معترضة بين كلاميها؛ وهي تشير إلى أن الله تعالى أعلم منها بما وضعت، فليس لها هذا الاعتذار لأن من تعتذر إليه، وتتحسر بين يديه أعلم منها بما وضعته؛ لأنه هو الذي خلقه وجعله أنثى؛ وهو أعلم بما يصلح له، وهو وحده العليم بما هيّأ له في لوح القدر، فإذا كانت لَا تستطيع خدمة البيت كالذكر فقد اختارها رب العالمين ليكون منها عيسى عليه السلام من