فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥).
وإن الله تعالى عصم بهذا الدعاء مريم وابنها من أن يمسهما الشيطان. وقد ورد في ذلك بعض الآثار.
ولقد قال الزمخشري في ذلك: يروى من الحديث " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " (١) فالله أعلم بصحته، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠).
، واستهلاله صارخا من مَسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤذنُ به الدنيا من صُروفها... يكونُ بكاء الطفلِ ساعةَ يُولَد تلك ضراعات امرأة عمران عند ولادة مريم البتول، وقد تقبل الله نذرها، وأجاب دعاءها؛ ولذا قال سبحانه:
________
(١) متفق عليه؛ رواه بهذا اللفظ البخاري: تفسير القرآن (٤١٨٤)، ومسلم: الفضائل - فضائل عيسى عليه السلام (٤٣٦٣).
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) قلنا إن التقبل هو أخذ الأمر بالنظرة الراضية المستحسنة غير المستهجنة، ويكون القبول نتيجة له، وقد ضرعت أم مريم أن يؤخذ نذرها مأخذ الرضا والاستحسان من ربها، فيقبل، وقد أجاب الله دعاءها، وعلى ذلك لَا يكون التقبل بمعنى القبول، ولقد قال في ذلك الراغب الأصفهاني: (إنما قال: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ)، ولم يقل: بتقبل حسن؛ للجمع بين الأمرين التقبل الذي هو التدرج في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة).
هذا هو قبول النَّذر، أما إجابة الدعاء وهو ألا يمسها الشيطان - أو لَا يكون له سلطان عليها؛ لأنها من عباد الله المخلصين، فقد بينه الله تعالى بقوله: (وَأَنْبَتَهَا