به مختارة دون نساء العالمين؛ لأن الاصطفاء الأول ومعه الطهر والتقى لَا تختص به مريم، فكم من عابدات قانتات قوامات بالليل صوامات بالنهار؛ أما الاصطفاء الثاني وهو أن تلد من غير أب فإن ذلك قد اختصت به لم تشركها فيه امرأة في هذا الوجود، ولذا قال فيه: (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ).
وإن هذا التعبير يدل فوق دلالته على اختصاصها بهذا الاصطفاء، يدل على أن لها فضلا على نساء العالمين، إذ إن التعبير (عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) يتضمن معنى الأفضلية عليهن، وإن لها ذلك الفضل، ولذلك قال النبي - ﷺ - فيما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (١) وروي من طرق صحيحة: " خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد " (٢).
* * *
________
(١) متفق عليه رواه البخاري: أحاديث الأنبياء - (٣١٧٩)، ومسلم: فضائل الصحابة - فضائل أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها (٤٤٥٩) عن أبي موسى الأشعري، واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٦ ص ١٨٦، عن أنس رضي الله عنه، ورواه الترمذي: المناقب - مناقب خديجة رضي الله عنها (٣٨١٣) وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
* * *
القنوت لزوم الطاعة
والاستمرار عليها، مع استشعار الخضوع التام المطلق، والاستسلام لله وإسلام الوجه لله الكريم، فمعنى نداء الملائكة دعوتها إلى أن تستمر على ما هي عليه من خضوع لله وإسلام وجهها له سبحانه، وتفويض أمورها له. وتكرار النداء لإشعارها بقربهم منها وهم رسل ربهم إليها، وفي ذلك بيان قربها منه سبحانه وتعالى. وفي تكرار النداء إشعار بأن طلبهم الاستمرار على القنوت هو من قبيل شكر الله على هذه النعمة؛ فهذا الاصطفاء يوجب الشكو بالاستمرار على القنوت، وقوله تعالى: (وَاسْجُدِي) هذا الأمر هنا يفسر بملازمة الطاعة والعبادة؛