وقامت بيناته، ثم أخذوا يَحولون بينه وبين هدايته، ودعوة الحق التي يدعو بها، ولما رأوا أن نور الحق يزداد انتشارا، قرروا أنه لابد أن يقطعوا حركته نهائيا بتدبير الشر لشخصه. ويستفاد من الإشارات القرآنية أنهم حاولوا قتله، ولا عجب فقد قتلوا يحيى بن زكريا عليه السلام الذي عاصره. ولا يستغرب على اليهود عمل فاجر، فهم في ماضيهم كما نراهم اليوم في حاضرهم، ولقد قال تعالى بعد أن بلغت دعوة الحق أقصاها وأعلاها
(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ):
أي أن هؤلاء الذين أحس عيسى عليه السلام منهم الكفر، ورآه عيانا منهم بعد أن كوَّن فيهم مدرسة الهداية بالحواريين، وأخذوا يدبرون التدبير للقضاء عليه أو على دعوته. والمكْر، كما يظهر من عبارات القرآن: هو التدبير الذي يجتهد صاحبه في إخفائه عمن يمكر به؛ ولذا نسب المكر إلى الله تعالى، ولا يمكن أن يكون عمل الله تعالى إلا خيرا، ولذا ذكر المكر موصوفا بالسوء في قوله تعالى:
(وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّئُّ إِلَّا بِأهْلِهِ...)، فدل هذا على أن مطلق المكر لا يعد سوءا، مكر الفجار لإيذاء الأبرار لَا يمكن أن يكون خيرا، ومكر الله تعالى لإحباط تدبير الأشرار لَا يتصور إلا أن يكون خيرا. وقد قصر بعض المفسرين المكر على التدبير السيئ، وسمي تدبير الله لإحباط تدبيرهم مكرا من قبيل المشاكلة ورد الفعل بمثله وإن لم يكن له وصفه، كتسمية رد الاعتداء اعتداء في مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ... ).
وما هو إلا عمل عدل ولكن سمي به للتماثل بين الفعلين في الواقع ليتحقق الدفاع العادل.
دبر أولئك قتل عيسى عليه السلام كما قتلوا يحيى، فكانوا - لاستيلاء الفساد على قلوبهم - قد أصابهم شره لدماء الأطهار دبروا ذلك، والله يدبر حمايته، وقد تم ما أراد الله تعالى، ولذا قال تعالى:
(وَاللَّه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فسرها بعض المفسرين بأن الله سبحانه لَا يصدر عنه إلا الخير، فمكره. خير مكر لأنه لَا يتصور فيه شر قط. وفسر الزمخشري قوله: