إليه، وثالثها القصر والتخصيص، فقد قصر عليهم الضلال كأنه لكماله فيهم لا يوجد في غيرهم، وإن السبب في استمرار ضلالهم هو لجاجتهم وعنادهم، فهم كلما لجوا في مقاومة الحق ازدادت نفوسهم بعدا عنه. وكلما بعدوا عنه أوغلوا في الضلال، والإشارة في قوله سبحانه (أولئك) هي إليهم متصفين بما اتصفوا به من كفر بعد إيمان، وازدياد ولجاجة في هذا الكفر والجحود، فتلك الصفات هي السبب في هذا الاستمرار وتأكد الضلال، وإن هؤلاء الضالين سيموتون بلا شك وهم كفار فيندرجون تحت حكم الآية الكريمة الآتية:
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ... (٩١)
* * *
إن هذه الآية تبين مآل الذين يموتون وهم كفار، أي أنهم يستمرون على كفرهم حتى يلقوا ربهم، فالواو في قوله سبحانه: (وَهُمْ كُفَّارٌ) واو الحال وهي تفيد أنهم ماتوا وهم على حال لهم مستمرة ملازمة لم تفارقهم، وهي الكفر والضلال، وإن أولئك في اليوم الآخر يلقون جزاءهم على ما قدموا من سيئات وجحود بالحق موفورا كاملا، وذلك الجزاء ذو شطرين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي، أما السلبي فهو أن كل ما عملوا من خير وأنفقوا من مال لا يكافأون عليه، كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثورًا)، والسبب في فقد الجزاء عليه أن أساس الجزاء في الدين النية، والنية لَا تكون سليمة إلا إذا كان فعل الخير قد قصد به وجه الله سبحانه وتعالى، وذلك لَا يكون ممن لَا يذعن لدين الله؛ لأنه لو طلب وجه الله لأجاب نداءه، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله: (فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا) أي لن يقبل منهم أي إنفاق، ولو كان بمقدار ما يملأ الأرض من ذهب، فمهما يفعلوا من عمل، هو في ذاته خير، فقد أفسدوه بنياتهم الآثمة، وتمردهم على الحق إذ دُعوا إليه.
والجزاء الإيجابي هو العقاب الذي لَا يكون منه مناص ولو بفدية مهما كبرت أو عظمت، كما قال تعالى مخاطبا المنافقين: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا


الصفحة التالية
Icon