وقد ظهرت عداوة المنافقين، وبرزت نياتهم، وتكشفت سرائرهم، حتى إن أعمى منهم قد مر النبي في بعض أصحابه بحائطه (أي بستانه) فأخذ يحثو التراب في وجوههم، ويقول وقد أخذ حفنة بيده: لو أني أعلم أني لَا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه، فقال النبي - ﷺ -: " لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر " وفي وسط تلك الزوبعة التي أثارها المنافقون بانشقاقهم عن الجمع وعودتهم إلى المدينة ألقوا الرعب في قلوب بعض الضعفاء، حتى لقد هم بعض المؤمنين بالفشل، وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى:
* * *
(إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا... (١٢٢)
* * *
الهمُّ هو حديث النفس واتجاهها إلى أمر معين من غير تنفيذ، فحديث النفس هو ما يأخذ طريق التنفيذ، فإذا أخذ طريق التنفيذ فهو إرادة وعزيمة، ومن ذلك قوله تعالى: (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا) والفشل ضعف مع جبن، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...)، ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
(حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) ومعنى النص اذكر أيها النبي الكريم أنت وأمتك أثر إفساد المنافقين إذ اتخذتم منهم بطانة، اذكر ذلك إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، أي إذ حدثت نفسها طائفتان من المؤمنين لَا من المنافقين أن تفشلا وتضعفا في وقت الشديدة والكريهة، ، مع أن الله تعالى وليهما وناصرهما، ومن يكون الله معه لَا ينهزم إلا إذا خالف أوامر الله وأوامر نبيه وقائده الأعلى، فذكر ولاية الله تعالى في هذا المقام لسببين:
أحدهما: أن المنافقين استطاعوا أن يؤثروا في المؤمنين ذلك التأثير السعي مع أن المؤمن يشعر دائما بولاية الله تعالى وعزته، وأنه سبحانه وتعالى ينصر من


الصفحة التالية
Icon