الآية الكريمة هو الثاني، فإنها تومئ إلى أن البر التقي يكظم غيظه، ويعفو عمن ظلمه بل يحسن إليه إن كان للإحسان موضع، وإن الله سبحانه وتعالى أمر أهل الفضل بألا يذهب غيظهِم بإحسانهم فقد قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ...)، فقد نزلت هذه الآية عندما حلف أبو بكر ألا يعطي بعض قرابته الذين خاضوا في حديث الإفك بالنسبة لعائشة زوج رسول الله - ﷺ - وإن هذه الدرجة هي أقصى ما تصل إليه السماحة البشرية، وهي لا تكون إلا لنفس محبة للناس، ولذلك كانت المكافأة هي حب الله تعالى:
* * *
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ... (١٣٥)
* * *
هذا هو الوصف الخامس من أوصاف المتقين الذين أعدت لهم الجنان التي عرضُها كعرض السماوات والأرض، والفاحشة هي المعصية الزائدة التي تكون خارجة على مقتضى الطبيعة الإنسانية الفاضلة، وقد غلبت على الزنا، وبذلك فسر بعض العلماء الفاحشة هنا، وعلى هذا الرأي يكون المراد من قوله تعالى: (أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) كل ذنب غير المعصية، وقال آخرون: الفاحشة الذنب الكبير، وظلم النفس الذنب الصغير، وبعض المفسرين يقول الفاحشة ما يتعدى أذاها إلى غيره، وظلم النفس ما لَا يتجاوز الأذى نفسه، ويكون هذا كقوله تعالى: (وَمن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ...)، وهذا كله على أن الفاحشة وظلم النفس أمران متغايران؛ وبعض العلماء على أنهما وجهان للمعصية، وأن كل معصية كبيرة فيها هذان الوجهان وتكون " أو " بمعنى " الواو "، ويكون المعنى: من يرتكب فاحشة ويظلم نفسه، ويتذكر ألله عند ارتكابها فيعود إلى ربه يكون من المتقين؛ وإلى هذا نميل، والتعبير بصيغة الشرط (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ) يفيد اقتران الجواب بالشرط، أي أن ذكر الله يكون عند الارتكاب ولا يكون بينهما تراخ يجعل الشر يفرخ في النفس، فالتوبة إلى الله تكون فور الارتكاب لَا تراخي بينهما ولا يستمر في المعصية حتى تحيط به خطيئته، وهذا ما صرح الله تعالى به في


الصفحة التالية
Icon