بها، وكل هذه مشاق يحتاج احتمالها إلى جهد في دائرة الطاقة، و (لا يكَلفُ اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا...).
ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن المؤمن الصادق الإيمان يعرف طريق الجنة، وأن الموت في سبيلها هو شكر لنعمة الله تعالى فيما أنعم في الحياة الدنيا، وفيما ينعم في الجنات في الحياة الآخرة، وإن الذين قاتلوا في غزوة أحد الذين سيقت لهم هذه العبر يعلمون ذلك ويعرفونه ويؤمنون به، وينفذونه، ولذا قال سبحانه وتعالى:
* * *
(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ... (١٤٣)
* * *
كان المؤمنون يتمنون الموت حقا وصدقا، وصدق الله العظيم، ذلك أنهم كانوا يتشوقون للشهادة ويريدونها ويطلبون أسبابها، وفي غزوة أحد بالذات ما كان للنبي - ﷺ - رأى في الخروج من المدينة، ولكن شباب المجاهدين أرادوا اللقاء خارجها، فنزل عليه الصلاة والسلام على حكم الشورى وقادهم، وما كانوا يريدون عرضا من أعراض الدنيا، ولا غاية لهم إلا أن ينالوا إحدى الحسنيين الظفر أو الشهادة، وفي كلتيهما إعلاء كلمة الحق، وخفض كلمة الباطل.
ومعنى تمنى الموت: تمنى لقاء سببه وهو الحرب، وكان الله سبحانه وتعالى ينبههم إلى أنهم بتمنيهم لقاء الأعداء في الميدان يجب أن يفرضوا أن الموت ينالهم كما أن الحياة العليا قد ينالونها، فكان عليهم أن يتوقعوا الموت عند تمنى اللقاء، وأن يعلموا أن تمنيهم للقاء هو في ذاته تمن للموت، وأن تمنى الموت هو سبيل النصر وطريق الظفر، فإن الشجاع هو الذي يدخل الميدان طالبا الشهادة، فإنه لا يموت إلا إذا قتل عددا، ولقد وُصِفَ فارس الإسلام علي رضي الله عنه بأنه كان إذا تقدم إلى الميدان لَا يدري أيقع على الموت أم يقع الموت عليه، فكان يقع رضي الله عنه على الموت يصيب به أعداء الله وأعداءه.
ولقد أورد الزمخشري في الكشاف اعتراضا خلاصته: كيف يتمنى المؤمنون الموت، وفي الموت غلبة ونصرة للأعداء فكأنهم يتمنون ذلك النصر لأعدائهم؟ وقد أجاب عن ذلك بأنهم يتمنون فضل الشهادة من غير نظر إلى ما يجره ذلك