عليه تعالى بعد الأخذ في الأسباب، والإيمان بأن الله تعالى ناصر دينه، وناصر من استمسك به وأخذ بعروته ولم يتركها قط.
والمقابلة بين النهي عن الخوف من أولياء الشيطان، والأمر بالخوف منه سبحانه، فيها بيان علاج النفس إذا ضعفت وخافت من الشيطان وأوليائه، فدفع الخوف من أولياء الشيطان يكون بالخوف من الله تعالى، فمن خاف الله تعالى حق الخوف منه لَا يخاف أحدا من العباد إذا عاندوا وحادوا الله ودينه، لَا يخاف أهلَ الضلال من يخافُ الله سبحانه وتعالى (١).
ولقد كان المشركون بعنادهم المستمر ومقاتلتهم النبي - ﷺ - وأصحابه بعد فتنتهم يوغلون في الكفر، والنبي - ﷺ - تذهب نفسه عليهم حسرات، فهو لَا يخاف منهم، ولكن يشفق، ويتمنى أن يجيئوه مؤمنين، بدل أن يأخذهم مقتولين، ولقد نهاه سبحانه عن الحزن عليهم فقال تعالى:
* * *
________
(١) أي فهما ضدان، والضدان لَا يجتمعان.
(وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا... (١٧٦)
* * *
والمعنى لَا يحزنك ولا تكن في نفسك حسرة على الذين يسارعون في الكفر أي يوغلون فيه وينتقلون من درجة إلى درجة فينتقلون من الضلال والجحود إلى التضليل ومن التضليل إلى الفتنة ثم القتال، ثم التدبير الخبيث والمكر السيئ، ولقد فسر الزمخشري كلمة (يُسَارِعُون فِي الْكُفْرِ) بمعنى الوقوع فيه سريعا من غير تريث وتدبر وتفكير، والأول عندي أوضح، لأن الكلام ليس في الذين وقعوا فيه من جديد، وإنما هو في الذين مردوا عليه وأوغلوا فيه واستمروا عليه، والنهي عن الحزن نهي عن الاسترسال فيه، ونهي عن أسبابه، وهو الظن بغلبة الضلال على اليقين والكفر والإيمان، ولقد طمأن الله تعالى نبيه تأكيدا للنهي، ونفيا لمبرراته، فقال سبحانه:
(إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أي إنهم مهما يتماد شرهم وطغيانهم وفتنتهم الناس عن دينهم، فلن يضروا الله شيئا من الضرر ولو صغيرا. فلن ينقص كفرهم


الصفحة التالية
Icon