وإن هذا الكلام يدل على وجوب إعلان الحقائق الدينية والدعوة إليها، ومجابهة مخالفيها بإثم المخالفة، ومن أحسن ما قرأت في ذلك ما قاله الزمخشري في التعليق على هذا: (كفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد، من تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارّهم، أو لجرِّ منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم، وعن النبي - ﷺ -: " من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار " (١).
* * *
________
(١) رواه ابن ماجه: المقدمة (٢٦١) عن أبِي سَعِيد الْخُدْرِيً. كما رواه أحمد: مسند المكثرين (١٠٠٨٢) عن أبي هريرة.
(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا... (١٨٨)
* * *
هذا وصف آخر لليهود في ماضيهم، وفي حاضرهم، فهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أتوا، وتلك طبيعة الضال دائما، فالضال يفرح بكل ما يعمله، ويزين له سوء عمله فيراه حسنا، ويحب أن يحمد بما لم يفعل، فيدعي لنفسه من المحاسن ما شاء، وينكر محاسن غيره. والنهي موجه للنبي - ﷺ -، وهو نهي مؤكد عن حسبان الخير فيهم فالتأكيد في قوله تعالى: (لا تَحْسَبَن الذِين يَفْرحُونّ) هو تأكيد للنهي، وليس بتوكيد للظن، فليس النهي منصبا على الظن المؤكد، وغيره لَا يكون منهيا عنه، بل التوكيد هو لأصل النهي، أي ينهى الله سبحانه وتعالى نبيه نهيا مؤكدا عن أن يظن فيهم خيرا، أو يصيبهم خير، و " تحسب " لها مفعولان أصلهما مبتدأ وخبر، والمفعول الأول هو (الذين يفرحون بما أتوا) إلى آخره، والمفعول الثاني محذوف دل عليه ما بعده، وتقدير الكلام هكذا: ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين أو مهتدين، أو صالحين، وحذف لدلالة ما بعده عليه، وليذهب العقل كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذي وصفهم سبحانه به، وهو أنهم يزينون أعمالهم، ويرغبون في المدح الكاذب، فإن ذلك هو الضلال البعيد، وليرتب السامع عليه ما شاء من عدم الهداية وعدم التوفيق، والبعد عن الخير والنفع، فكل ذلك وغيره يتضمنه الكلام المحذوف.