القدر به من أمر يسرهم، ولا أمر يسوؤهم. وفي قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسولًا) يذكر سبحانه كلمة (رَسولًا) تأكيدا لوصف النبي - ﷺ - بالرسالة، ولبيان أن عمل الرسول ليس هو التحكم في القدر، إنما عمله التبليغ فقط، فإذا بلغ فما عليه من شيء.
وإذا كانوا قد اتهموك وقالوا ما قالوا، فكفاك شهادة الله لك بأنك بلغت وجاهدت، وأن ما يرمونك به باطل، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
وإن تصرف أولئك المنافقين ولضعفاء فيه إخلال بواجب الطاعة، وإن الرسالة التي حمل عبئها محمد - ﷺ - توجب عليهم طاعته من غير تمرد، بل مع الإذعان والخضوع لما يطلبه باسم الله، وأن يعلموا أن طاعته فيها طاعة الله، فإن تمردوا عليه أو تشاءموا به، فليعلموا أن ذلك تمرد على الله، ولذا قال سبحانه:
* * *
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ... (٨٠)
* * *
إن هؤلاء كانوا ينتقصون فضل النبي بنسبة الظفر إلى الله والهزيمة إلى النبي، وقد بين الله تعالى أنه رسوله، فإن تنقصتموه فإنما تتنقصون من أرسله، وإن تمردتم عليه فإنما تتمردون على من أرسله: (مَن يطِعِ الرَّسُولَ). فيما يأمر به، وينهى عنه، وفي دعوته إلى الجهاد، فإنما يطيع الله تعالى، لأنه إنما يتكلم عن الله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)، ولقد روى أن رسول الله - ﷺ - قال: " من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله "، فقال الذين يشككون في الإسلام من المنافقين: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل. لقد قارف الشرك، وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه رتا كما اتخذت النصارى، فنزلت هذه الآية: (مَن يطِع الرَّسُولَ) (١) وعندي أن الآية لَا تحتاج إلى سبب نزول في بيانها لأنها واضحة بينة، يشهد لمعناها سابقها ولاحقها، وإن الحديث في ذاته صحيح المعنى، وروى مسلم مثله عن أبي هريرة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " من
________
(١) ذكره جماعة من مفسري السلف منهم القرطبي والرازي وأبو السعود والألوسي والبيضاوي والسمرقندي عن قتادة (من التابعين).


الصفحة التالية
Icon