جلت قدرته، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما حكيما، فإنه يعلم جهاد المؤمنين للحق، واعتداد المشركين بالباطل، وبمقتضى حكمته، لَا يستوي الصالح والمفسد، والمحق والمبطل، ولا يستوي عنده الذين يعلمون والذين لَا يعلمون، فالمؤِمنون إذ يرجون ما عنده، ويطلبون رضاه، يجدون العليم الحكيم: (واللَّهُ يؤَيِّدُ بِنصْرِه مَن يَشَاءُ...)، (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورسُلِي...).
وإن العليم الحكيم هو الذي أنزل القرآن مشتملا على شريعته، ليكون القسطاس المستقيم، والحكم العدل، ولذا قال سبحانه:
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ... (١٠٥)
* * *
يذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان، قال: كان أهل بيت منا، يقال لهم بنو أبيرق، ثلاثة: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير منافقا، وقد كان طعام وسلاح لعمي رفاعة، كان قد ابتاعه فسُرِق منه، فقال: يا ابن أخي، قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مَشْربتنا (أي غرفتنا) وذهب بطعامنا وسلاحنا، فتحسسنا وسألنا، فقيل لنا: إن بني أبيرَق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نراهم إلا على بعض طعامكم.. ويسترسل قتادة في القصة، فيذكر أن بني أبيرق اتهموا رجلا له صلاح وإسلام، وهو لبيد بن سهل، فغضب وهدد بالسيف... فذهب قتادة إلى النبي - ﷺ -، فقال: " سأنظر في ذلك "، فلما سمع بنو أبيرق، أتوا رجلا يقال له أسيد بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع بأناس، فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، ويقول قتادة: فأتيت رسول الله - ﷺ -، فقال: " عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة "!. فرجعت فأخبرت عمي، فلم يلبث أن نزل القرآن: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، وقد كشف أمر بشير فلحق بالمشركين مرتدا! (١).
________
(١) رواه الترمذي: تفسير القرآن - ومن سورة النساء (٣٠٣٦) عن قتادة بن النعمان.