المجالس، والمعنى على هذا: ولا تكن أيها الرسول الأمين مخاصما لأجل الخائنين، بأن تجعل فكرك ينحاز إليهم قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق.
وسُمي هؤلاء خائنون؛ لأنهم في علم الله كانوا كذلك، وهو يخبر النبي - ﷺ - بخيانتهم، والله تعالى خير شاهد.
وهذا إرشاد لكل قاض أن ينظر إلى المتخاصمين نظرا غير متحيز، لكي يستمع إلى البينات منصفا مقدرا، ويجعل الأدلة توجهه إلى الحق، ولا يوجهها.
وإن على كل قاض أن يستغفر الله دائما في أقضيته؛ لأنه لَا يدري: لعله أصاب الباطل! والعصمة لله تعالى وحده، ولأنبيائه، ولذا قال سبحانه:
* * *
(وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)
* * *
الأمر في ظاهره للنبي - ﷺ -، وهو في عمومه لكل أمته، ولكل قاض يفصل بين الناس. وطلب الاستغفار دائم يوجهه الله تعالى إلى النبي، وإلى كل مؤمن تقي، لأن الاستغفار إنابة، وعبادة، وهي مطلوبة. وإذا كانت القصة قد ذكرت أن النبي - ﷺ - تبادر إلى ذهنه براءة خائن، فإن هذا ليس بذنب، ولكنه يوجب الاستغفار من الرسول، فإن علو مقامه يجعل مثل هذه التي لَا تعتبر ذنبا من الناس، موجبة للاستغفار، على حد قول العلماء: (حسنات الأبرار سيئات المقربين).
وفوق ذلك فإن طلب الاستغفار، مع ما فيه من القنوت والطاعة، حث لكل قاض يفصل بين الناس على الاستغفار في كل قضية، وقد بين سبحانه أن هذا الاستغفار الضارع يقبله الله تعالى؛ لأنه سبحانه قد ثبت واستقر له أن المغفرة بأقصى درجاتها، والرحمة بأوسع معانيها، صفتان له سبحانه، وهذا معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
وقد أكد سبحانه اتَصافه تعالى بهاتين الصفتين بأربعة مؤكدات: أولها - (إنَّ) التي تفيد التوكيد، وثانيها - (كان) التي تفيد الاستمرار، وثالثها - صيغة المبالغة في غفور ورحيم، ورابعها - الجملة الاسمية.
اللهم لَا تجعلنا في جانب الخائنين والعصاة، واجعلنا مع الأبرار الأتقياء.
* * *


الصفحة التالية
Icon