كانت الآيات السابقة، في بيان الإيمان الحق الصادق، وأنه يشمل الإيمان بالرسل وكتبهم، والإيمان برسالة محمد - ﷺ - وكتبه، وكل ذلك في ظل الإيمان بالله تعالى باعث الرسل ومنزل الكتب من عنده، وخالق كل شيء، ومبدع الكون. ثم كانت الآية التي وليت ذلك في ذكر حال هؤلاء المترددين الحائرين الذين لَا يستقرون على حال، وهم قسمان: قسم ضعيف الإيمان مضطرب الاعتقاد، وهؤلاء قد يؤمنون ثم يرتدون لغير غاية. والقسم الثاني يعلن الإيمان ويبطن الكفر، ويتردد مظهره بين الإيمان والكفر؛ إذ إنه مهما يطوِ اعتقاده في نفسه لَا بد أن يظهر على لسانه، كما قال تعالى لنبيه - ﷺ -: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ).
وهذه الآيات في شأن المنافقين:
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
المنافقون هم الذين خلصوا للنفاق، وأصبح الإيمان لَا موضع له في قلوبهم، وهم المنافقون في الاعتقاد بالرسالة المحمدية؛ وذلك لأن النفاق قسمان: نفاق خالص، وهؤلاء كفار في ذات الرسالة المحمدية، وهؤلاء كفار كما قال تعالى في الآيات اللاحقة. والقسم الثاني نفاق ليس خالصا، وهو لَا يتصل بالعقيدة، بل يتصل بالأخلاق، وهو الذي جاء ذكره في الحديث " آية المنافق أربع: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وإذا خاصم فجر " (١)، وبعض الروايات ليس فيها الخصلة الرابعة (٢). وهذا النوع هو الكثير الشائع في عصرنا.
والتعبير بقوله: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ) فيه نوع مجاز؛ لأن البشارة لَا تكون غالبا إلا في الخبر السار، ويقول في ذلك الأصفهاني في مفرداته: " وبشرته أخبرته بسار
________
(١) روى البخاري: الإيمان - علامة النفاق (٣٤)، ومسلم: الإيمان - بيان خصال النفاق (٥٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو.
(٢) عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ اللَّه - ﷺ - قَالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإِذَا اؤْتمِنَ خَانَ " [رواه البخآرى: الأدب].


الصفحة التالية
Icon