(لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)
* * *
في الآيات السابقة كشف الله سبحانه وتعالى عن أوصاف المنافقين، وبيَّن ظواهر أحوالهم، ومجموع أمورهم، وما يرتكبون من سيئات واضحة معلمة، وما يخفون في صدورهم من أحقاد مكنونة، وبيَّن مآل أمرهم إن استمروا في غيِّهم يعمهون، وبيّن سبحانه وتعالى أن باب التوبة مفتوح، وأن الله تعالى لَا يغلق باب الرحمة بالتوبة على أحد من عباده، ولو كانوا منافقين، فإن الله تعالى يحب التوابين، والتوبة عنده سبحانه تجبُّ ما قبلها من سيئات مهما تكن.
وفى هذا النص الكريم بين أن الجهر بالسوء من القول لَا يكون إلا في أحوال تقتضي ذلك، وقد وجد مقتضاه في أهل النفاق، فليحترز المؤمن من الاسترسال في الجهر بالسوء إلا عند أشد الحاجة إليه، ولذا قال سبحانه:
(لا يُحِبّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) السوء هو ما يسوء الناس من أقوال وأفعال، سواء كانت الإساءة عامة أو خاصة، وسواء أكانت الإساءة إلى الإنسان أم إلى الفضيلة، فكل ما يمس المجتمع، ويترتب عليه شر وأذى، فهو من السوء، والحبة شأن من شئون الله تعالى، لَا تتشابه مع محبتنا، ولا مع ما يجري بيننا من حب وبغض؛ لأن ذات الله تعالى منفردة بصفاته، لَا تشابه ذات المخلوقين في شيء: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
والمحبة أكثر من الرضا، والرضا أكثر من الإرادة، فهذه كلها صفات للذات العلية مرتبة في القوة، فالإرادة تتعلق بالخلق والتكوين، فما أراده الله تعالى يقع، وما لا يريده لَا يمكن أن يقع، فلا يمكن أن يقع من أفعال الإنسان ما لَا يريده رب العالمين، ولا يمكن أن يفعل الإنسان شيئا لَا يريده العليم الخبير الذي لَا تخفى عليه الأنفس، وما تكنُّ الصدور.


الصفحة التالية
Icon