(وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) السلطان هو القدرة وهو السلطة وقد أعطى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام القوة التي تدفع الباطل، وتزيل رواءه المضلل فأعطاه المعجزات الباهرات البينة الواضحة، التي تبين الحق، وأعطاه القوة التي غلب بها فرعون طاغية الدنيا في عصره، ولهذا ألقاه في اليم وخرج ببني إسرائيل، وأعطاه القوة التي بها أخضع أولئك المتمردين من بني إسرائيل على الحق، الذين تعودوا العصيان، وأعطاه القوة فأنزل عليه التوراة، وهي وحدها سلطان مبين؛ لأنها بيان الحق، والحق في ذاته قوة، والتوراة هي ميثاق الله تعالى، وفوق ذلك أخذ الله تعالى ميثاقا بمقتضى الفطرة، وميثاقا على الطاعة، كما في التوراة وقد قال تعالى:
* * *
(وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ... (١٥٤)
* * *
هؤلاء اليهود في ماضيهم، لَا يتجهون إلى الحق اتجاه المؤمن المذعن، ولكن يحملون عليه حمل الملجأ، فلا تنتظروا أيها المؤمنون بمحمد - ﷺ - ورسالته أنهم يستجيبون له؛ لأن ذلك لم يكن من طبعهم فهم في ماضيهم لم ينفذوا التوراة ولم يذعنوا ويأخذوا على أنفسهم ميثاقا بتنفيذ أحكامها إلا بعد أن هُدِّدُوا تهديدا حسيا بأن العذاب واقع بهم لَا محالة حسا ونظرا، فقد رفع الله تعالى فوقهم الطور، ليقدموا عهدا بالطاعة. فمعنى قوله تعالى:
(وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) أي بسبب الميثاق الذي يحملون عليه حملا، وهو ميثاقهم الذي كان يجب تمديمه طوعا واخثيارا، فالميثاق أخذ بعد الرفع، وإلى هذا يومئ قوله تعالى في آية أخرى: (وِإذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
فالميثاق هو أحكام التوراة، وحملهم على الخضوع المطلق لله تعالى، وطاعته فيما يأمرهم به من غير تمرد ولا عصيان، وقد صرح سبحانه بأنه أمرهم بما فيه خضوع تعبدي، لكن يتعودوا الطاعة، فذكر سبحانه وتعالى أمرين هما:
(وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) ادخلوا باب المدينة مطأطئي رءوسكم بهيئة الساجدين أمارة الخضوع حِسا، وهو دليل على الخضوع معنًى بالإذعان لأوامر الله تعالى، وفي الآية تصريح بالطاعة المطلقة الذي يتضمنه الأمر