كانوا كذلك، وقد كانوا لَا همة لهم إلا في الكسب الرخيص ولا همة لهم في دفع اعتداء، فقد كانوا يقولون لموسى: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَربُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، وهمتهم الكبرى في الإيذاء لخمول قلوبهم بقدر خمول أجسامهم.
وكان في فطمهم عن الشحوم، وما يزيد البدن ترهلا، تهذيبا لنفوسهم، وتقوية لأبدانهم، وفتح باب الهمة العليا لهم.
ومن المظالم التي ارتكبوها صدهم أنفسهم عن طريق الحق، وصدهم غيرهم ومنع غير اليهود من أن يدخلوا في ديانة موسى، ولذا قال سبحانه: (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) أي صدا كثيرا في ذاته أو صدا لناس كثيرين.
وقد ذكر سبحانه وتعالى بقية الأسباب التي أوجبت ذلك التحريم فقال:
* * *
(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ... (١٦١)
* * *
كان الظلم الأول موضعه القلب والاعتقاد، وما ينبعث من أفعال شاذة فيها اعتداء على رسل الله تعالى وأنبيائه، فالاعتداء فيها كان على جنب الله تعالى والفساد كان في القلوب، وفى الأعمال التي تمعلق بها. أما الظلم هنا فهو واقع على العباد.
ذلك أن ضعف همتهم في الكسب، وعدم الاتجاه إلى العمل المثمر المنتج جعلهم يتجهون إلى الكسب الفاسد غير المنتج وذلك بالربا، وأكل مال الناس بالباطل، فأما الربا، وهو الزيادة في نظير الزيادة في الأجل فهو كسب الخبيث، وغير منطقي، لأنه كسب بالنقد، والنقد لَا يلد النقد كما قال أرسطو، وهو كسب بالانتظار فالزمن هو العامل فيه، والكسب بالانتظار عمل الكسالى الجبناء، لأنه يجيئهم من غير عمل، ومن غير تعرض للخسارة وهو في الغالب نوع من البطالة، ويؤدي إلى القمار والمراهنات، ولذلك تقترن هذه الآفات الاجتماعية بالتعامل بالربا، وتكون في أكثر أحوالها ممن يتعاملون به، حيث لَا مخاطرة كالتي تكون في التجارة أو الزراعة. ويندر أن تجد يهوديا في أي بلد من البلاد يشتغل


الصفحة التالية
Icon