نسخ؛ لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا؛ ولأن التوفيق غير متعذر، ولأن الأمر بالعفو والصفح لَا ينافي القتال، لأنه إذا اعتدت طائفة وجب فلّ شوكتها، وقد اعتدت قينقاع وخانت الحلف، ولا يمكن ائتمانها في وقت قتال، فوجب إجلاؤها، وكذلك بنو النضير، واستحقت قريظة ما نزل بها، وما كان ذلك إلا دفاعا عن النفس، وتأمينا لما وراء الظهر، وفي غير هذه الأحوال الاستثنائية يكون العفو والصفح واجبا ليؤدي النبي - ﷺ - واجب التبليغ، ولا يعمل الأمر بالعفو عند موجب القتال للدفاع؛ إذ إن ذلك يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة، ويطبق الأمر بهذا الشكل في عصرنا، فاليهود الذين يخربون في ديارنا تكَفّ أيديهم ويُخرجون منها، وغيرهم نعاملهم بالخلق الحسن إلا أن يظاهروا الأشرار فيهم، وقليل من لم يظاهروهم.
* * *
(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ... (١٤)
* * *
في الآيات السابقة بَيَّنً الله الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل، ونقضوه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وفي هذا النص الكريم يذكر سبحانه وتعالى الميثاق الذي أخذ على قوم عيسى عليه السلام، وهو يشمل ما جاء به ذلك النبي الكريم، والرسول الأمين - ﷺ - من بيان وحدانية الله تعالى، وأنه ليس بوالد ولا ولد، وأنه ليس له صاحبة، ومن إحياء للتوراة الحقيقية ووصاياها وتكليفاتها، وقد صدَّق الصادق منها.
ولكن النصارى نسوا حظا مما ذكروا، أي نسوا قدرا كبيرا هو لب الديانة المسيحية، وهو التوحيد، وكثير من وصايا عيسى عليه السلام، وما دعاهم إليه من تسامح وحب للسلام.
وسبب نسيان حظ أي نصيب كبير مما ذكروا به هو اضطهاد النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان، حتى ضاعت كتبهم، ولم يعرف شيء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا، ثم ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها، ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات


الصفحة التالية
Icon