(وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) توقع موسى عليه السلام أن يتخاذلوا إذ يدعوهم إلى العزة والنصر، فنبههم إلى ما يؤدي إليه التخاذل عن الدخول، وهذا التعبير " ارتد على دبره "، كتعبير " نكص على عقبيه "، وكتعبير " ولوا الأدبار " استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه بحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء بدل أن يسير بمقدمه إلى الأمام، وهذا التعبير يصور قبح التخاذل حسا ومعنى.
ولقد كان رجوع بني إسرائيل - إذا لم يعملوا على دخول الأرض المقدسة - أن يعودوا إلى حكم فرعون، ويخسروا ما كسبوا من عزة وكرامة وحرية ويذهب عنهم، فإن البقاء على العزة يحتاج إلى مشقة الحصول عليها، ولئن ارتدوا عن العزة بعد نيلها، فإنهم الخاسرون، إذ لَا يرضي بالعذاب الهون إلا الأخسرون.
وإن بني إسرائيل كانوا قد ضعفت همتهم، وماتت عزائمهم؛ ولذلك أجابوا دعوة العزة بقولهم:
* * *
(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا... (٢٢)
* * *
صح ما توقعه موسى عليه السلام منهم، وما نهاهم عنه؛ إذ إن روح التردد والهزيمة قد ملك قلوبهم، واستولى على نفوسهم، فقرروا له أنهم لن يدخلوا؛ لأن فيها قوما جبارين، والجبار في اللغة يطلق على الطويل القوي، والمتكبر، والعاتي، وهو مأخوذ من نخلة جبارة إذا كانت طويلة لَا ينال تمرها، وقد جاء في لسان العرب (الجبار من النخيل، وهو الطويل الذي فات يد المتناول، ويقال جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل) وجاء في مفردات الراغب أن الجبار من جبر، وهو الإصلاح بقهر وقوة.
ويكون على هذا معنى جبارين أنهم قوم غلاظ شداد عندهم قدرة على القهر، وقد قيل في الأخبار أنهم بنو عناق الذين يسكنون أمامهم في أدنى الأرض المقدسة إليهم، وهم أولو قوة، وأولو بأس شديد ولعلهم الذين قال تعالى فيهم:


الصفحة التالية
Icon