الفرق معناه الفصل بين شيئين أو شخصين فصلا حسيا أو معنويا، كما قال تعالى: (... لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ...).
والمراد هنا والله أعلم؛ اجعل بيننا وبينهم فارقا في الحكم وهو العدل بيننا وبين هؤلاء الفاسقين؛ لأننا لَا نرضى بما يفعلون، ولسنا معهم في الإحساس وهذا التخاذل، فلسنا منهم في هذا، وليسوا منا في شيء وافصل بيننا وبينهم في الآخرة، كما فصلت في الحكم بيننا وبينهم في الدنيا، والمؤدى من قول سيدنا موسى هذا هو أنه يبرئ نفسه منهم، ومن عملهم وخذلانهم، والفاسق هو الخارج المنفصل بالحس أو المعنى، والمعنى: افرق بيننا وبين هؤلاء الذين خرجوا عن الطاعة، وعن مناط العزة، ورضوا بالذلة والهوان.
ولا شك أن هذه الجملة تدل على ألم موسى، واستنكاره لما هم عليه، فقال تعالى:
* * *
(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ... (٢٦)
* * *
القول هنا هو قول الله تعالى، كما يدل على ذلك الحكم الذي حكم به، فإنه لله تعالى وحده، وكما يدل عليه من بعد ذلك قوله: (فَلا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).
والفاء في قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ) هي فاء الإفصاح، أي التي تفصح عن شرط مقدر، والمعنى: أنهم إذا كانت حالهم كذلك من الخور، وضعف العزيمة، والخوف من أعدائهم فإنهم لَا يدخلون الآن لضعف بأسهم وشكيمتهم، فإنها محرمة عليهم تحريما واقعيا، لَا تحريما حكميا تكليفيا يتيهون في الأرض، أي يكونون في الأرض تائهين متحيرين يضطرب عيشهم وحياتهم، ولا يستقر مقامهم، بل يعيشون فرادى هائمين على وجوههم، حتى يتربى البأس في قلوبهم.
هذا خلاصة معنى النص الكريم، وهو يدل على أن الله تعالى بسنته التي سنها سبحانه وتعالى في الكون لَا يمكنهم من أن يدخلوها إلا إذا غيروا، وبدلوا حالهم من بعد الضعف قوة، ومن بعد الخور عزيمة: (... إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ