أي أن ذلك العقاب الرادع الزاجر فيه كسر شوكتهم، وإذلالهم وقهرهم، وهو بذلك خزي لهم، إذ إنه كشف جريمتهم، وأذلهم وأخزاهم، وجعلهم عبرة لغيرهم، وأي خزي أشد من أن يُرَوْا مقطوعين من خلاف، أو يراهم الناس مصلوبين، أو يحبسوا، أو يبعدوا في أقاصي الأرض فهو خزي نالهم، وفيه عبرة لغيرهم.
هذا هو عقاب الدنيا، أما عقاب الآخرة، فهو عذاب عظيم، شديد، عظيم في شدته جزاء ما اقترفوا وإن ذلك العقاب ثابت لهم ما استمروا على غيهم، فإن تابوا فهي تجبُّ ما قبلها؛ ولذا قال سبحانه:
* * *
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)
* * *
أي أن العقاب لمن استمروا في جريمتهم، حتى غُلِبوا، واستمكن الحاكم من جمعهم، وصاروا في قبضة يده، ولكن من تاب قبل ذلك فإن العفو يشملهم والرحمة تعمهم من الله الغفور الرحيم.
انتهينا من الكلام في عقوبات الذين نصبوا أنفسهم لمحاربة الأمن في الدولة والخروج على النظام من غير تأويل يتأولونه، ولا غاية دينية يحققونها، بل خرجوا قاصدين الإجرام لأجل الإجرام، ومحاربة الآمنين وإزعاجهم، وبينا من الذين ينطبق عليهم وصف الحرابة، واختلاف الفقهاء في ظل معاني الآية الكريمة، وفسرنا الآيتين تفسيرا لفظيا، ولكن لم نتكلم في معنى التخيير في قوله تعالى: (أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ)، ولم نتكلم في حقيقة التوبة ومعناها في هذه الآية الكريمة، كما لم نتكلم عن آثارها، وعن نوع العقوبة أهي حد من حدود، أم هي قصاص، وما أثر ذلك بالنسبة للتوبة وفي الحكم، ولا يتم جلاء ما اشتملت عليه الآيتان الكريمتان من أحكام إلا بالتعرض لهذه الأمور في إيجاز من غير إطناب.
ونبتدئ بالتخيير الذي دلت عليه " أو " في النص الكريم، أيقصد به التنويع بتنويع العقوبة على حسب الجرائم، فإذا قَتلوا قُتلوا، وإذا سرقوا قطعت أيديهم