جاءوا بعدهم حتى بعث محمد - ﷺ -، إذ يجب العمل بشريعته حتى يجيء ما ينسخها، فالعمل واجب بشريعة الإنجيل من أهل الإنجيل، فلما جاءت شريعة محمد عليه الصلاة والسلام صاروا أهل شريعة محمد - ﷺ -.
والقراءة الثانية بسكون اللام، وسكون الميم على أن اللام للأمر (١)، وسياق الكلام على هذا يوجب تقدير محذوف، وهو (قلنا) مثلا ليكون متقابلا مع أهل التوراة الذين قال تعالى فيهم: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...).
فالمعنى: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل. وعلى هذا التقدير يكون العمل بالإنجيل سابقا على نزول القرآن.
وإذا لم تقدر كلمة قلنا، فإن الكلام لَا يدل على إقاء شريعة الإنجيل للنصارى؛ وذلك لأنه بعد بعث محمد - ﷺ - صاروا هم أهل القرآن؛ لأنهم هم الذين يخاطبون برسالته، ومعهم غيرهم من الخليقة، فكل الذين يدركون نبيا هم أهل رسالته التي يخاطبون بها، لَا فرق بين قريب دان، وبعيد قاص، وأيضا فإن شريعة محمد - ﷺ - قد نسخت ما يخالفها مما سبقها، إذ شربعة القرآن هي المهيمنة على ما عداها، كما قال تعالى:
________
(١) السابق.
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْن يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ). وهذه الهيمنة توجب العمل بما أقره من الكتب السابقة، وبطلان العمل بما نسخه منها. الإنجيل الذي له تلك الأوصاف السابقة هو الذي لم يجرِ فيه التحريف، وهو خاص بالحكم فيما قبل البعث المحمدي.
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) في هذا النص الكريم الحكم على من لم يحكم بما أنزل الله تعالى بالفسق، أي الخروج عن جادة الحق، والسنن المستقيم والخلق الكريم، وكان الحكم بالفسق هنا مناسبا لمواعظ الإنجيل الذي نزل على عيسى وهدايته؛ لأن تعريف القرآن الكريم له فيه إشارة إلى ما اسشمل من أخلاق روحانية قويمة، وهداية سليمة، والمناسب لمن لم يحكم به أن


الصفحة التالية
Icon