ذكر سبحانه وتعالى في الآية السابقة بعض صفات اليهود، وضعف من يواليهم، ويركن إليهم، إذ يركن إلى الذين ظلموا فتمسهم النار، وذكر طبائعهم الحيوانية التي تشبه الخنازير في شراهتها، والقرود في نزواتها، بين بعض ما يترتب على هذه الدخيلة من مظاهر في أعمالهم، وأولها النفاق في أقوالهم، وأكلهم سحت المال في معاملاتهم، ومسارعتهم إلى كل معصية وعدوان، ولذا قال سبحانه:
(وَإذَا جَاءُوكمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) الخطاب للنبي - ﷺ - والمؤمنين، وقد كان ذلك يتكرر منهم استهزاء وسخرية أو نفاقا، ومخادعة أو الأمران معا، كان ذلك يتكرر منهم، ولم يكن مرة أو اثنتين، بل كان يتكرر من غير عدد، ولذلك قال سبحانه في أحوالهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧).
وقال سبحانه وتعالى فيهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥).
وكان الخطاب للنبي - ﷺ - والمؤمنين ليذكرهم بصفات المنافقين واليهود، وليؤكد لهم أنهم لَا يصلحون أن يكونوا أولياء لكم؛ لأن الولي النصير أو المحب يجب أن يفتح قلبه لك، ويخلص لك الود، ويمحض لك المحبة، واليهودي ومحبته للناس نقيضان لَا يجتمعان، فلا تتخذوا منهم معشر المؤمنين أولياء، لأنه لَا ولاء لمنافق، ولا محبة من حقود حاسد، وقد كان ذلك تصويرا لحالهم، في نفاقهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وقد صور ذلك سبحانه بقوله تعالت كلماته: (وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ). أي أنهم كانوا على ما هم عليه عندما دخلوا وعندما خرجوا دخلوا كافرين، وقد قال النحويون: تكون للتكثير أو للتقليل عندما تدخل على المضارع، وتكون للتقريب أو التحقيق عندما تدخل على الماضي،