وأفعل التفضيل ليس على بابه، لأنه لَا يوجد من يكون علمه من جنس علمه، حتى يكون علم أكبر وأعظم، بل المراد - والله سبحانه وتعالى العليم - أن الله تعالى يعلم ما يخفون علما لَا يدانيه علم، وليس فوقه علم، وهو أعلى ما يتصور من علم، فعبر بافعل التفضيل تقربيا لَا تحقيقا.
والتعبير بقوله تعالت كلماته: (بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ). بالجمع بين الماضي والمستقبل يفيد أنه يعلم بما كتموه في الماضي، وما يكتمونه في الحاضر والقابل، فهو سبحانه يعلم ماضي أمرهم، وحاضره، ومغيبه، ولفظة كانوا على هذا المعنى تفيد العلم المستمر.
بعد ذلك بين الله سبحانه أخلاقهم بعد أن بين معاملتهم لأهل الإيمان فقال تعالت كلماته:
* * *
(وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ... (٦٢)
* * *
في هذا النص توجيه النبي - ﷺ - إلى ما عليه كثير من اليهود من مفاسق ومفاجر وعدوان، وقد كانت عبارات التنبيه موجهة واضحة وموضوعها بيِّن يُرى بالعين أو بما يشبه العين لوضوحه، فأنت ترى الكثرِين منهم يخوضون في الشر خوضا، لَا يرعوون، ولا يجتنبون سوءا بل يقدمون على كل حرب وشر.
وحكم الله تعالى عدل دائم، وينبه سبحانه إلى العدل في الأحكام، فهو سبحانه لم ينبه النبي - عليه السلام - إلى أنهم جميعا فيهم الشر مستحكم، بل في الكثير، لَا في الكل ولا في القليل، ومعنى المسارعة في الإثم والعدوان المعاجلة وعدم التردد، فهم لَا يترددون في ارتكاب الإثم والعدوان، وربما يترددون كل التردد في الخير ونفع الناس لذات النفع، والتعدية بـ في تشير إلى أنهم مغمورون في الآثام ينتقلون فيها مسارعين من حال إلى شر منه، فهم يرتعون فيها دائما.
وقد تكلم العلماء في معنى الإثم والعدوان، فقال بعضهم: الإثم هو الكذب، والعدوان هو تعدي حدود الله تعالى، والاعتداء على محارمه.


الصفحة التالية
Icon