وقد أكد سبحانه ذلك الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة بئس الدالة على شدة الذم.
والله سبحانه وتعالى يتولى الناس، ويدفع عنهم شرهم، ويرد عنهم كيدهم، وإنهم منذ أخرجوا من مصر مستنقذين على يد كليم الله تعالى موسى - عليه السلام - ونفوسهم في الشر، يبدو منهم وتتوالى مقاومة الناس لهم، ولذلك قد تولد معه إحساس بالكمال دون الناس، حتى توهموا أنهم الشعب المختار في هذه الأرض، ولكي يفرضوا سلطانهم لم يجدوا سبيلا إلا المال، فأكلوه سحتا، وأنفقوه سحتا وتوارثوا ذلك خلفا عن سلف، حتى إن المستقرئ لتاريخ الأمم لا يجد جماعة من الناس تشابه حاضرها بماضيها، تشابه حاضر اليهود بماضيهم، حتى إن القرآن الكريم كان يخاطب الحاضرين منهم بأعمال الماضين؛ لأنهم مثلهم تماما وعلى شاكلتهم، وهم غير قابلين للتغير.
وما عندهم من بقية من التوراة كتابهم، لَا يغير طباعهم، فلا يتكون عندهم رأى عام إلا من تعاليم السابقين، وعلماؤهم يجارونهم، ولا يبينون لهم، فكان رأيهم العام فاسدا لشيوع الفساد فيه، وعدم وجود من يرشدهم إلى الصواب، ولذا قال تعالى:
* * *
(لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ... (٦٣)
* * *
الربانيون هنا هم العلماء الذين يحاولون أن يكون علمهم لله، ويتصلون بربهم حتى ينسبوا إليه ولا يكون لهم وصف إلا نسبتهم إليه سبحانه، يزعمون ذلك في أقوالهم ويظهرونه في أْعمالهم، والأحبار هم الفقهاء أو العلماء الذين يفسرون أحكام الكتاب، ويعرفون الناس بشئون دينهم، وقد يكون من يجمع بين الوصفين، ولكن لكل وصف جانب من العمل.
و (لَوْلا) هنا للحض على الفعل في المستقبل، والتوبيخ في الماضي على عدم فعله، وهو هنا للتوبيخ على تقصيرهم في الماضي وتخاذلهم عن أدائه، وإلا ما كان ذم حالهم، واستنكار أمرهم، والمعنى: هلا كان من هؤلاء الذين كان


الصفحة التالية
Icon