(أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)
* * *
بعد أن حذرهم سبحانه من الاستمرار على قولهم الإفك، وادعائهم على المسيح - عليه السلام - رغبهم في الإيمان بعد الترهيب من العذاب الأليم، وأن كتاب الله سبحانه وتعالى يجمع بين الترغيب والترهيب، ليؤمنوا خوفا من عذاب الله تعالى أو طمعا في ثوابه، أو لهما معا، سيق الكلام لهذا، وليبين أن باب المغفرة مفتوح لمن استغفر، وطلب الغفران.
وقوله تعالى: (أَفَلا يَتُوبُونَ) الاستفهام للدلالة على أمور ثلاثة: أولها - توبيخهم على ما كان منهم وأنه يستحق التوبة والاستغفار، وثانيها - فيه تعجب من بقائهم على حالهم من الإفك والإصرار عليه من أنه لَا يقبله عقل، ولا يذعن له مصدق، بل لَا يتصوره متصور. ويدل ثالثا على تحريضهم على التوبة، أي الرجوع إلى الله تعالى، وما تقره العقول، ولا تنبو عنه الأفهام، وعلى طلب الغفران عما سلف منهم من قول، وإن باب الغفران مفتوح، ولذلك ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيم). والله جل جلاله المعبود، ولا معبود بحق سواه يغفر الذنوب لمن تاب ورجع إليه وهو رحيم بعباده لا يرضيه أن يشقوا، وأن رحمته سبقت عذابه وأنه سبحانه ليفرح بتوبة عبده أكثر من فرح العبد بقبولها، لأن الله تعالى يريد بعبده الصلاح والإصلاح، ولا يريد له الفساد والإفساد، وإذا تاب العبد انقلب من الفساد إلى الصلاح.
* * *
(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ... (٧٥)
* * *
في هذا النص الكريم (تسجيل) لحقيقة عيسى ابن مريم وأمه، وأن ما اختصا به لَا يمكن أن يجعلهما إلهين من دون الله كما قالت البربرانية وغيرها من فرق النصارى، وكما حكى الله تعالى عنهم وعن عيسى عليه السلام في قوله تعالى له: (... أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ...).
وأن النص الكريم الذي نحن بصدد ذكر معانيه، فيه بيان أن عيسى وأمه ليس فيهما ما يجعلهما مختصين بصفات ليست في غيرهما فعيسى عليه السلام


الصفحة التالية
Icon