(ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) هذا بيان لسبب اللعن والطرد من رحمة الله تعالى يوم القيامة، فلم يكن لعنهم لذواتهم، وإنما لأعمالهم وإيذائهم، فجملة أعمال أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب عصيان الله سبحانه وتعالى، أمرهم بعبادة الله وحده، فكان منهم إشراك، وأمرهم بالإيمان باليوم الآخر فكان منهم من أنكره، وأمرهم بإطاعة النبيين ففريقا كذبوا، وفريقا يقتلون، وأمرهم بألا يعتدوا يوم السبت فاعتدوا، وأمرهم بألا يأكلوا الربا فأكلوه، وهكذا كانت أعمالهم نكرا وعصيانا، وكان أشد عصيانهم أن اعتدوا على خلق الله تعالى، فكانوا حاقدين على كل مخلوق سواهم، وبالغوا في إعنات الناس أن اشتدوا بمعونة غيرهم، وبالغوا في الإفساد وإيقاد الفتن إن ضعفوا عن المقاومة الظاهرة.
والعصيان لله وأخصه الاعتداء هو سبب الطرد من رحمة الله، وعموم العصيان يدخل فيه كل سبب الطرد واللعن فلا يوجد سبب غيرهما.
وقد عبر عن العصيان بالماضي للإشارة إلى قرار العصيان في طبائعهم ونفوسهم، وثباته فيها، وعبر عن الاعتداء بالمضارع، لأنه مستمر قائم، وبذلك كان الجمع بين الماضي والمضارع للدلالة على الثبات والقرار والاستمرار، ونسب العصيان إليهم جميعا، والاعتداء إليهم جميعا، لأنه كان من بعضهم، وأقره سائرهم أو سكت عنه باقيهم، فكان منهم وقوعا ورضا، ولذا قال سبحانه:
* * *
(كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)
* * *
هذا النص فيه معنى التفسير للآية السابقة، لأنه يبين عموم العصيان والاعتداء فيهم، لأن الاعتداء في الكثير يقع من بعضهم، فكيف ينسب إلى كلهم، وفي هذا النص إشارة إلى أن سبب فساد الأمم في عمومها هو السكوت على المنكر فيها، والمنكر هو الأمر القبيح في ذاته وينهى الشارع عنه، والتناهي يطلق بإطلاقين، وهو الانتهاء عن الفعل الآثم، ومعنى النص على هذا: أنهم يعصون الله تعالى ما أمرهم ويصرون عليه، ويستمرون على فعلهم، فلا يتوبون ولا يرجعون، ولكن ليس هذا هو الظاهر المشهور.