وقد قال عليه الصلاة والسلام: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " (١). ويقول عليه الصلاة والسلام: " إن الله لَا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه " (٢). ولقد تنبأ رسول الله - ﷺ - بأن ضياع المسلمين عندما يختفي فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد روى أنس بن مالك، أن بعض صحابة رسول الله - ﷺ - سألوه قائلين يا رسول الله: متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال - ﷺ -: " إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ". قالوا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؛ قال - ﷺ -: " إذا كان الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم " (٣).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عصام الأمة وهو مكون الرأي العام الفاضل، ويقال: إن الأمة كلها تعصي إذا ظهر العصيان، ولم تستنكره.
* * *
________
(١) رواه أحمد: باقي مسند الأنصار - حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (٢٢٧٩٠).
(٢) رواه أحمد: مسند الشاميين - حديث عدي بن عميرة الكندي (١٧٢٦٧).
(٣) تَفْسيرُ مَعنَى قَوْلِ النبِيِّ - ﷺ -: " وَالعِلْمُ فِي رُذَالَتِكُمْ " إِذَا كَانَ العِلْمُ فِي الْفُسَّاقِ.
والحَديث رواه ابن ماجه: الفتن - قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) (٤٠١٥)، وبنحوه رواه أحمد: باقي مسند المكثرين (١٢٥٣١) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... (٨٠)
* * *
هذا عمل من أعمال اليهود تذهب بهم بغضاؤهم، وحقدهم على المؤمنين إلى أن ينضم كثيرون منهم للمشركين، فالمراد بالذين كفروا أولئك الذين كفروا بالوحدانية، وبلغوا غاية الكفر وأقصاه، وذلك يدل عليه التاريخ، فقد ذهب قوم من اليهود، وألبوا على النبي - ﷺ - المشركين، ووالوهم، والتولي الموادة والمناصرة والانضمام إليهم، وفي كل حرب دخلها النبي - ﷺ - كان اليهود مع عهودهم الموثقة مع المؤمنين يوالون المشركين زاعمين أنهم فاتحو المدينة، فبنو النضير خانوا العهد وبنو قريظة وبنو قينقاع كذلك.


الصفحة التالية
Icon