وإذا كان ذلك كله رجسا، فلماذا يتناوله العقلاء؟ فأجيب بأنه من عمل الشيطان الذي يحسن القبيح، ويقبح الحسن.
(فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفْلِحُونَ) الضمير في: (فَاجْتَنِبُوهُ) يعود على كلمة رجس، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر، وتقدير الكلام هكذا: إذا كان تناول هذه الأشياء، رجسا ومن عمل الشيطان، فاجتنبوه لتنالوا الفوز والفلاح أو لترجوا الفوز والفلاح، فمعنى قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تفْلِحُونَ) أي لترجو الفوز والفلاح، فلا فوز لقوم يضلون عقولهم بأنفسهم، ويفرون من واجباتهم بالخمر يشربونها، وبالموبقات يتسلون بها وبإضلال عقولهم وضياع تفكيرهم.
و" اجتنبوه " معناها اجعلوه في جانب وأنتم في جانب، وهو أقوى من " لا تشربوها " في الدلالة على التحريم؛ لأن " اجتنبوها " لَا تدل فقط على تحريم الشرب، بل تدل على تحريم الشرب مع جعلها في جانب، وابتعاد، وهي تتضمن النهي عن الشرب، ومجالسة الشاربين، لأن مجالسة الشاربين لَا يتحقق فيها الأمر بالاجتناب، بل إن الاجتناب يتضمن النهي من المرور على الحانات أو غشيانها.
وقد زكى التحريم للخمر والميسر بأمرين باقترانهما باتخاذ الأنصاب والأزلام، ووصف الجميع بالقذارة الحسية المعنوية، وثاني الأمرين ببيان بعض الآثار من إلقاء العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله فقال:
* * *
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ... (٩١)
* * *
البغضاء: البغض الشديد، وهو يقطع الصلات، ويثير الأحقاد، ويجعل الناس قلوبهم شتى، وإذا أعلنت البغضاء كانت العداوة المستحكمة، والمنابذة والشحناء، فالعداوة أخص من البغضاء، لأنها بغضاء معلنة متنابذة، أما البغضاء المجردة فتكون مستكنة لَا تظهر، وإن كانت آثارها عنيفة مثيرة للنفور مربية للأحقاد والأضغان.


الصفحة التالية
Icon