وقد يقول قائل: إن الله تعالى ذكر جزاء من قتل الصيد متعمدا فقال تعالى على ما سنتلو إن شاء الله تعالى: (وَمَن قَتَلَهُ منكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) وذلك ليس عذابا أَليما، ويجاب عن ذلك: بأن ذلك ليس مجرد جزاء للذنب الذي ارتكبه كله، ولكنه جزاء دنيوي يعود به على الذين في بيت الله، أما الجزاء الأخروي، فإن الله مستقبله به يوم القيامة، وفوق ذلك أن ما ذكره تعالى في جزاء القتل للصيد، إنما هو جزاء الفعل والعذاب الأليم جزاء الكابرة والمعاندة التي تدل على نقص الإيمان، بل تدل على عدم الاستسلام لله تعالى.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... (٩٥)
* * *
الخطاب للمؤمنين بوصف الإيمان، فالإيمان يقتضي ألا يقتلوا الصيد وهم محرمون، وقوله: (وَأَنتُمْ حُرُمٌ) معناه وأنتم محرمون، فكلمة حرم جمع لحرام، وحرام قد تكون وصفا للمحرِم، فيقال: رجل حرام، وامرأة حرام إذا نوت الحج واتخذت شعاره، وجمع حرام حرم، والمحرم أو الحرام هو الذي يؤدي الحج أو العمرة، واتخذ شعارهما، إذ يصبح ما كان حلالا له بإطلاق، مقيدا في إحلاله، ويكون عليه مشاعر يجب أداؤها.
والنهي منصب على قتل الصيد، فما هو الصيد المحرم، وهو بلا ريب صيد البر، كما خصصت ذلك الآية من بعد، فقد قال تعالى من بعد ذلك:
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) فمن هذا النص يتبين أن التحريم مخصوص بصيد البر، ويخرج منه صيد البحر، وذلك لأن البحر بعيد عن الحرم، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار، فتحريم صيد البحر يكون إجهادا وحرجا وضيقا من غير فائدة تعود على المقيمين حول البيت الحرام.
والنهي منصب على الصيد نفسه لَا على قتله؛ لأن التحريم يتجه إلى محاولة صيد الحيوان، لَا إلى قتله فقط، وقد دل على ذلك قوله تعالى من قبله: (... غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حرُمٌ...).


الصفحة التالية
Icon