حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
* * *
كان العرب يحرمون على أنفسهم أنواعا من النعم، ويحسبون ذلك دينا يتبع، ويتقرب به إلى منشئ الخلق من غير دليل، ولكنه وَهْمٌ سيطر عليهم، واستمكن في قبائل مختلفة منهم، فبين الله تعالت كلماته أن هذا ليس من شرع الله في شيء ولا سبب له إلا وهم مسيطر، ونسبوه إلى الله تعالى افتراء عليه، ولأنهم لَا يعقلون ما ينبغي في التحريم والتحليل لأن التحليل لذات الشيء، وقد خلقها الله تعالى طيبة، وكان كسبها طيبا، والتحريم، إما لأذى في ذات الشيء، أو أن فيه أذى لغيره كتحريم الصيد في ميقات الحج.
وقوله تعالى:
(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَة) معنى " جعل " هنا أنشأ وشرع، والمعنى ما أنشأ الله تعالى شرعا في التحريم في شيء من البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، أي هذه الأشياء ما شرع الله تعالى أحكاما خاصة بنعم متصفة بهذه الأوصاف، بل هي وسائر النعم سواء، والتفرقة بينها وبين غيرها من وهم كان عندهم، لَا من حقيقة ثابتة تدركها العقول، ويظهر أن العرب كانوا متفقين في الجملة على تحريم هذه الأنواع فلا يأكلونها أو لَا يأكلها العامة منهم؛ إذ تنذر للكهنة، وذلك على اختلاف القبائل في أماكن بلاد العرب، ومع اتفاقهم على أصل التحريم بالنسبة لهذه الأشياء، قد اختلفت الروايات في حقيقتها، واختلف اللغويون باختلاف الروايات في حقيقة معناها. ويظهر أنه ليس اختلاف رواية أو أختلاف روايات متعارضة، إنما هو اختلاف قبائل العرب، وليس لنا أن نحصي