ما ليس بحقهما، وكان التعبير بنفي الاعتداء؛ لأنهما مطالبان. والمطالب يخشى اعتداؤه؛ لأن كذبه يتضمن اليمين الغموس، ويتضمن الأخذ بغير حق، فيكون اعتداء، ولقد أكد الله سبحانه وتعالى عليهم عدم الاعتداء بأن يقولوا: (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) وذلك فيه تأكيد لعدم الاعتداء، وبيان أن شهادتهما أحق من شهادة الأولين، إذ لو لم يكونوا صادقين لكانوا ظالمين، وقد أكدوا ظلمهم بأربعة مؤكدات: أولها - الجملة الاسمية، وثانيها - بأن المؤكدة، وثالثها - بإثبات أن الحكم بالظلم له مقدماته فيكون منطقيا، ورابعها - دخولهم في زمرة الظالمين، وخروجهم من طائفة الأبرار الأخيار.
وإن ذلك كله تقريب للحق، وبعد عن الباطل، ولا يمكن أن يكون الحق مؤكدا من كل الوجوه، بل لَا بد من التقريب دون التحديد، ولذلك قال سبحانه:
* * *
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ... (١٠٨)
* * *
الإشارة في ذلك إلى النظام كله الذي نظمه القرآن الكريم، والنسق الحكيم من الشهادة التي يقوم بها الوصيان تكون ابتداء من أهل التقوى، ويعتمد على تقواهم وعدالتهم، فإن أمسكا بعد الصلاة، وأخذت عليهما الأيمان المغلظة ويتعرف الأمر من ورائهما، ولا يترك من غير تحريات كاشفة، فإن عثر على أن الشهادة فيها إثم أو غير حق استشهد غيرهما من الذين ينقص حقهم بشهادتهما، واختير أولى الناس من المستحقين بالقول، ذلك النظام كله أقرب إلى أن يؤدي الشاهد الشهادة على وجمها، إما لأنه يريد الحق لذات الحق، أو لأنه يخاف أن الأيمان الشاهدة الجارية على لسان غيره بعد يمينه تعلن كذبه على الأشهاد، وخيانته بين الجموع والآحاد، فمعنى ترد أي تترك أيمانهم، وتطرح ويعاد القول إلى غيرهم بعد تكذيبهم.
والنص يومئ إلى أنه إذا عثر على كذب بعد شهادة الأقربين ترد الشهادة على من يليهم حتى لَا يضيع حق قط.