كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم - ﷺ -: (... رَبِّ أَرِنِي كيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى).
على ما تقدم، وقد كان إبراهيم عَلِم لذلك علْمَ خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لَا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن عِلم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لَا يدخله شيء من ذلك؛ ولذلك قال الحواريون: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) كما قال إبراهيم: (... وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي...).
(قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ) أي اتقوا مغاضبه وكثرة السؤال؛ فإنكم لَا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح الآيات؛ إذ كان الله عز وجل إنما يفعل الأصلح لعباده. (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به، فتعد جاءكم من الآيات ما فيه غِنى. قوله تعالى:
* * *
(قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا... (١١٣)
* * *
نُصب بـ " أنْ ". وقوله: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) عطف كله، بينوا به سبب سؤالهم حين نُهوا عنه. وفي قولهم: (نَأكُلَ مِنْهَا) وجهان: أحدهما - أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها، وذلك أن عيسى عليه السلام كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه، وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو عِلَّة، إذ كانوا زَمْنَى أو عميانا، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون. فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة، ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فقال عيسى لشمعون: (قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتم مُّؤْمِنِينَ) فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: (نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا) الآية. الثاني - (نَأْكُلَ مِنْهَا) لننال بركتها لَا لحاجة دعتهم إليها، وقولهم: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - تطمئن إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبيا. الثاني - تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا. الثالث - تطمئن إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألنا؛ وقيل: أي تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا. (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) بأنك رسول الله. (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) للَّه بالوحدانية، ولك