لا يستوي مع البصر، فإنه لَا يصح أنه يطرد الفقراء لرجاء إجابة الأغنياء، ولا يطرد الضعفاء لرجاء إجابة الأقوياء، يروى عن ابن مسعود أنه مر الملأ من قريش بالنبي - ﷺ -، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؛ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؛ فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.
وروي عن خباب بن الأرت في قوله تعالى: (ووَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) إلى قوله: (فَتَكُون مِنَ الظَّالمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزارى فوجدوا النبي - ﷺ -قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس من الضعفاء من المؤمنين؛ فلما رأوهم حوله أتوه، فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعْبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئمت، فنزل قوله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذين يَدْعُونَ رَبَّهُم).
هذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية، والنص يومئ إلى هذا المعنى، فقد قال تعالى، كما سنتلوا:
* * *
(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا... (٥٣)
* * *
نهى الله النبي عن أن يطرد هؤلاء الضعفاء، وإن كان النبي - ﷺ - يميل إلى تأليف قلوب الأقوياء للدخول في الإسلام لينال بقوتهم قوة، ولكن الله تعالى بين أن القوة في الإيمان، لَا في غطرسة المتغطرسين وإن أولئك وإن كانوا ضعفاء فقراء فإنهم أقوياء بعزة الإيمان وبعزة الحق ولا تفرقة بين أتباع الأنبياء بالطبقية، إنما التفرقة بقوة الإيمان والتقوى كما قال تعالى: (... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...). وإن الرفعة بين أتباع الأنبياء بالإيمان والعبادة. وقد ذكر الذين نهى النبي - ﷺ - عن طردهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي، ومعنى يدعون يعبدون مخلصين؛ لأن العبادة دعاء، والدعاء: التضرع الخالص، وهو مخ العبادة، وهو لبها، ولذلك عبر عن العبادة بالدعاء - وبالغداة


الصفحة التالية
Icon