فى الآيات السابقة بين الله سبحانه وتعالى عموم علمه، ما خفي منه وما ظهر، وما جدَّ وما يجد، حتى إن الورقة تسقط يعلمها، والحبة تنبت فتكون في علمه بكونها وحالها، يعلم الرطب واليابس من الثمرات، وهو الذي نظم الوجود بمقتضى هذا العلم المحيط، هو الذي يعلم الوفاة بالليل، والصحو بعد، وما يكسب بالنهار من خير نافع، وشر ضار، وأنه المسيطر على كل شيء، وأن المرجع والمآب إليه، وعنده الحساب السريع، والحكم العادل.
وفى هذه الآيات، يبين نعم الله تعالى عليهم، إن ادلهمت بهم كارثة يضرعون إليه، وبين أنه إذ كان هو وحده الملجأ عند الكارثة تكرثهم فهو القادر على أن ينزل بهم البأساء والضراء، ومع هذه النعم السالفة، ومظاهر القدرة الباهرة يكذبون بالحق إذ جاءهم، وأنباء الرسالة ثابتة مستقرة لَا تتخلف، وأنه إذا كان الناس فيهم أطهار وأشرار، فعلى الأطهار ألا يخوضوا في فتن الأشرار، وقد ابتدأ سبحانه بقوله:
(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضرُّعًا وَخُفْيَةً).
كان المشركون يعرفون الله سبحانه وتعالى، ولكن لَا يؤمنون به، ولا يخصونه بالعبادة بل يشركون معه الأوثان، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكذلك أكثر الوثنيين، يعرفون أن قوة خفية تسير الوجود، ولكنهم يعبدون أشياء حسية يحسبون أن روح الألوهية تحل فيها، وهم في غيهم يعمهون.
فلا عجب، إذا كان المشركون عندما تشتد بهم الشديدة لَا يتجهون إلا إلى خالق الكون ومنشئه ومسيره والقيوم عليه سبحانه وتعالى، ولقد أمر الله تعالى الرسول الكريم أن يوجه أنظارهم إلى أنه لَا يذكر في الشديدة إلا الله سبحانه وتعالى، وأنهم يذكرونه حيث تكون الكريهة، وحيث يكون الخطر، فأمره بأن يوجه إليهم الاستفهام ليقروا بهذه الحقيقة: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) والاستفهام إنكاري تقريري بمعنى لَا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر، وأنتم