حيوان ونبات، وأشجار بعناصر الحياة، اتجه إليها، فلم يجد فيها معنى الإله الذي لا يتغير ولا يتبدل؛ ولذا رفض شرك أولئك الذين يعبدون الكواكب، ويظنونها قادرة على كل شيء، وابتدأ من أصغرها إلى أكبرها، وقال عليه السلام: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) لَا أعبده، ولا أشركه مع القادر سبحانه.
انتهت نظرات إبراهيم الناشئ. وسياق المؤرخين يدل على أنه في ذلك الإبان كان ناشئا، ولم يكن قد بلغ أشده - اتجه إلى رفض عبادة النجوم، والأصنام التي تسمّت بأسمائها، واتجه إلى خالق الكون وما فيه، ومن فيه، وإنه قد آمن بأن له موجدا لَا محالة، وبطل أن يكون كوكبا أو نجما، أو قمرا أو شمسا، فلم يبق إلا أن يكون موجودا واجب الوجود، وليس واحدا مما رأى.
ولذا اتجه إليه وحده، لَا على أنه قد عرف ذاته، ولكن عرف وجوده وكفاه ذلك معرفة؛ ولذا قال الله تعالى عنه.
* * *
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
* * *
إني وجهت نفسي، وعبر عن ذلك بوجهه؛ لأن الوجه هو الذي يواجه به، ويتجه به إلى ما يتجه، ولأنه مظهر الخضوع والطاعة وبه يكون السجود، فكان الوجه له مظهر يجعله صالحا لأن يعبر به عن الجسم كله.
اتجه إلى الخالق لأنه عرفه مما خلق، والأثر يدل على المؤثر، و (فطر) معناها أنشأه وأوجده على غير مثال سبق، وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تدرك بذاتها من فطرها؛ ولذا قال تعالى في دين الحق: (... فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَقونَ).
وإن بعض العلماء كالظاهرية يرون أن إدراك الله تعالى بدهيٌّ يدرك بالبداهة، لَا بالبرهان ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - أدرك الله تعالى بفطرته بعد أن أبعد عنها ضلال الوثنية، ولأن أوهام الوثنية غشاء صفيق يحول بين الفطرة وإدراكها السليم.


الصفحة التالية
Icon