بسبب هذين الوصفين كان لهم الأمن من أن يصيبهم في الدنيا سوء، وإن كان يصيبهم نصب وتعب في الحياة الدنيا، وينالون الأمن المطلق في الحياة الآخرة والنعيم المقيم فيها، ورضوان الله تعالى، وأي أمن أعلى من هذا؟ ووصفهم الله تعالى بوصف فيه راحة النفس واطمئنان البال وهو نعمة الهداية فإنها وحدها نعمة لَا يحس بها إلا المهتدون.
انتهت محاجة إبراهيم لقومه الذين كانوا يعبدون الأوثان والكواكب والنجوم، وقد كانت محاجة بين حكم العقل، وحكم الأصنام، وانتهت المحاجة ببيان أن الأمن والهداية في جانب الحق، ولقد قال سبحانه وتعالى إن حجة إبراهيم هي حجة العقل، وهي الجديرة بأن تنسب إلى الله، ونسبها الله سبحانه وتعالى إليه. فقال تعالى:
* * *
(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)
* * *
الإشارة في قوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا) هي الإشارة للبعيد، وهي تبتدئ من وقت أن جن الليل فرأى كوكبا فظنه ربه، ثم لما أفل نفر منه، وأنكر أن يكون ربا، ولما رأى القمر بازغا ظن هذا ربه، فلما أفل أحس أنه ضال إذ يتبع النجوم والكواكب في أفلاكها ثم رأى الشمس، فبهره ضياؤها وحجمها، فظنها ربه فلما أفلت علم أن ربه ليس كوكبا، ولا نجما مهما يعظم حجمه، وأن ربه هو خالق الشمس والنجوم، والوجود كله، ثم من بعد ذلك حاجه قومه فأفلج عليهم، الإشارة إلى كل هذا فكانت للبعيد، ولعظم الفكر وقوة الاستدلال مع البعد كانت الإشارة للبعيد، وأضاف الله سبحانه وتعالى الحجة إلى ذاته العلية إعلاء لمكانتها، ولصدقها، وتشريفا لمن أجراها على لسانه وقلبه، وقوله تعالى: (آتَيْأَهَا) أي أعطيناها له بإلهام الفطرة السليمة، والعقل الحنيف الذي لَا يميل إلا للحق، ولا يتجه إلا إليه، وكانت هذه حجة قوية، أفلج (١) بها على قومه، وقامت حجة
________
(١) من الفَلجُ: الطفَرُ، والفوزُ. كما في القاموس.