ومن الذين خرقوا القول بأن لله تعالى بنين - الهنود والبوذيون، وأخذ عنهم النصارى بنوة عيسى، واليهود قالوا عزير ابن الله، فادعاء البنوة لله تعالى قد أخذ به اليهود، ثم سار وراءهم اليهود والنصارى، وكل من افترى على الله تعالى ذلك الافتراء.
ولقد قال تعالى إن ذلك قول ليس له أصل قام عليه، ولكنه جهالة، فقال تعالت كلماته: (بِغَيْرِ عِلْم) أي أنه ادعاء ليس له أساس، من أين أوتوه. بل عن أوهام توهموها، وجهل مبين بمعاني الألوهية، ويدل على فساد فكر وضلال فهم، واستهواء نفس ممن سيطر على نفوسهم. والله تعالى منزه عن ذلك.
وختم الله تعالى الآية بما يدل على التنزيه، وعلو المقام الإلهي عن ذلك فقال تعالى: (سُبْحَانَهُ) وهي مصدر يدل على التسبيح وتنزيه الله العلي الكريم عن ذلك (وَتَعَالَى) أي تسامي سبحانه وتعالى عما يشركون.
ولقد بين سبحانه وتعالى استحالة أن يكون له ولد، فقال تباركت آياته:
* * *
(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ... (١٠١)
* * *
وكلمة (بديع) فعيل بمعنى اسم الفاعل، أي مبدع السماوات والأرض، وهي تقتضي معنيين: أحدهما - أنه أنشاها على غير مثال سبق، والثاني - أنه لم يكن قبلها شيء يحتذى، فقد أنشأها من العدم إنشاء، فهو خالقها، قبل أن لم تكن ومن كان منشئا لهذا الوجود بإرادة مطلقة لَا يمكن أن يكون وجود الأشياء لديه بنظام الأسباب والمسببات، فلم تكن الأشياء كإيجاد العلة للمعلول، بل هو إنشاء الموجد للموجود.
وإن من كانت هذه الحال حاله لَا يمكن أن يكون له ولد.
وقد بين الله سبحانه وتعالى استحالة ذلك من وجهة الأسباب العادية التي تقتضي أن يكون الوالد له امرأة تلد منه؛ ولذا قال تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ).