وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)
* * *
كانت الآيات السابقات في أحوال المشركين من إشراك بالله إلى سيطرة الأوهام عليهم، حتى حرموا على أنفسهم ما أحل الله تعالى، وفي هذه الآيات يبين سبحانه وتعالى أن الشرك موت نفسي كمن يموت موتا حسيا، وأن الهداية حياة بعد الموت، وأنها نور، وأن الشرك ظلمات متكاثفة بعضها فوق بعض تبتدئ بالأهواء، وهي ظلمة، ثم بالأوهام، وهي ظلمة، ثم تنتهي بالشرك وهو ظلمات.
شبه الله تعالى حال من يكون في جهل ثم يتجه إلى الهداية كحال من يكون ميتا فيحييه الله ويجعل له نورا يمشي به في الناس، ليهتدي به، ثم نفى أن يكون ذلك الحي المهدي بعد الجهل الذي هو الموت نفى أن يكون مثله كمثل من يعيش في ظلمات من الجهالة والضلالة لَا يمكن أن يخرج منها، وهذا معنى قوله تعالى:
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا).
(الواو) عاطفة، هذه الجملة عطفت على ما قبلها من ذكر أوهام المشركين، وطلبهم آيات وتحريمهم ما أحل الله، وإحالة الإثم منهم ظاهرا وباطنا، وهذه الآية هي بيان للفرق بين المؤمن والمشرك، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، فهو نفي للمشابهة، والمعنى لَا يستوي من يكون ميتا بالجهالة فأحييناه بالإسلام والهداية