ربهم، وما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر. وفي هذه الآية الكريمة يبين سبحانه وتعالى أن الله غنى عن العباد، فلا يستفيد من عبادتهم إن عبدوه مخلصين، ولا ضير عليه من كفرهم، إن كفروا، ولكن الله تعالى برحمته بهم، يريد لهم الحق، ولا يرضي لعباده الكفر، ولذا قال تعالى:
(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ).
(الواو) عاطفة عطفت هذه الجملة على ما قبلها، وصدرها بقوله تعالت كلماته: (وَرَبُّكَ) أي خالقك، ومربيك وقد تولاك بربوبيته كما تولى الوجود كله بربوبيته، وهذا ترشيح لمعنى أن الغنى من لَا يحتاج فيكون في غناء عن غيره، ومن هو قائم على الوجود لَا يحتاج لأحد في الوجود، وقد ذكر سبحانه أنه الغني وحده، فكل من في الوجود يحتاج لغيره والله تعالى لَا يحتاج إلى أحد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد عرَّف الله سبحانه وتعالى الطرفين في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ) وتعريف الطرفين يدل على القصر أي لَا غني في الوجود سواه، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥).
ووصف الله سبحانه وتعالى بعد تأكيد أنه الغني وحده، وأن كل من في الوجود فقراء إليه - بأنه ذو الرحمة أي أنه صاحب الرحمة وحده، و (ذو) بمعنى صاحب، فهو الرحيم رحمة مطلقة بعباده، ورحمة غيره رحمة نسبية، تليق بالمخلوقات، أما الله تعالى فرحمته واسعة، وسعت كل شيء، خلق الكون والناس برحمته، وخلق العقلاء وكفلهم برحمته، وأنزل من السحاب ماء مدرارا برحمته، وخلق من الماء كل شيء حي برحمته، وجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا برحمته، وخلق الموت والحياة برحمته، وخلق البعث والنشور برحمته، وأنشأ السمع والأبصار والأفئدة برحمته.
فإذا كان هو الغني وحده، فهو الرحمن الرحيم، والقادر على كل شيء؛ ولذا قال تأكيدا لقدرته وفقر العباد إليه.


الصفحة التالية
Icon