بالذي جعلوه للوثن - قالوا هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن - تركوه للوثن.
تلك إذن قسمة باطلة في مآلها، وفي أصلها، ولعل الذي جعلهم يفرطون في حق الله تعالى، أنهم ماديون، يؤمنون بالمادة وحدها، فظنهم في الوثن ما ظنوا، وهم يرونه ويلمسونه أنساهم الله تعالى فنسوا أنفسهم، فكل شيء يذهب من نصيب الوثن إلى نصيب الله يردونه حرصا عليه، وكل ما يجيء إلى نصيب صنمهم من نصيب الله يحسبون أن الوثن أراده، لمجسقطونه، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا.
وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى:
(سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
(ساء) في معنى التعجب، أي ما أسوأ ما يحكمون به، أي أنه أبلغ الأحكام إساءة، فهو حكم سىء في ذاته، وعندي أن الحكم السيئ أشد من الحكم الظالم؛ لأن الحكم الظالم قد يكون في تطبيفه ظالم، أما الحكم السيئ فإنه في أصله فاسد، وفي تطبيقه ظالم وفاسد.
* * *
(وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ... (١٣٧)
* * *
إن الوثنيين تحكمهم أوهام باطلة يتوهمونها، وتسيطر عليهم أهواء ينسبونها إلى أوثانهم الذي سماهم الله شركاءهم، أي الشركاء التي زعموها شريكة لله تعالى في عبادته سبحانه.
وكما موهوا عليهم فأرادوا تحت سلطان الوهم أن يجعلوا من الحرث والنسل نصيبا لله، ونصيبا لشركائهم كذلك زيَّن لهم شركاؤهم أي أوثانهم في أوهامهم قتل أولادهم.
(زينوا) أي حسنوا وجعلوه كأنهم زينة لهم، يتباهون بها، (شُرَكَاؤُهُمْ)، ونقول في معنى الشركاء: أهم الأوثان أم شياطين الجن الذين تغلغلوا في


الصفحة التالية
Icon