وإذا تناولوا ما أحل الله تعالى ارتكبوا إثما من نوع آخر، وهو ألا يذكروا اسم الله تعالى عليها، وهو الذي خلقها وأحلها، وأنعم بها؛ وإنهم إذ لَا يذكرون اسم الله تعالى يذكرون أسماء الأوثان، وكان كل ذلك افتراء على الله تعالى، ولذا ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى في كلامه العظيم: (سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرونَ).
أي أن الله تعالى سيجزيهم أشد الجزاء، و (السين) لتأكيد الوقوع في المستقبل، وسيكون جزاء وفاقا بسبب ما كانوا يفترونه، أي يقصدون الكذب فيه، فقد افتروا على الله وأشركوا، وافتروا على الله تعالى وأحلوا ما حرم الله تعالى ونسبوا التحريم إليه، فكان ذلك بهتانا وإثما مبينا.
* * *
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ... (١٣٩)
* * *
الكلام موصول في بيان ما حرموه على أنفسهم أو بعضهم من الأنعام، وما في بطون هذه الأنعام هي من الإناث؛ لأن الذكور لَا يكون في بطونها شيء يناله الرجال دون النساء، وما في بطونها الذي يحرم على النساء ويباح للرجال خالصة قيل هو اللبن، وقيل هو الحمل، وأرى أنه يشمل الأمرين، وإن كان قوله تعالى: (وَإِن يَكُن مَّيْتَةً) أي إن تجئ به فهم فيه شركاء أي يشترك الذكر والأنثى، يرجح أو يقرب أن المراد الأجنة في الظاهر، ولكنه لَا يمنع أن يكون ما في البطون يشمل الألبان والأجنة معا، وخصت الأجنة بأنها إن نزلت ميتة اشتركوا فيها جميعا.
والإشارة في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لذُكُورِنَا) إشارة إلى نوع معين من إناث الأنعام، وقد قال مفسرو السلف إنها البحيرة والسائبة التي لَا ترد عن حوض ماء ولا مرعى، إذا ولدت خمسة أبطن، فإن هذه يكون لبنها، وما في بطنها من حمل للذكور دون الإناث إن نزل حيا وإن نزل ميتا فهم فيه شركاء بمعنى اشترك فيه الذكور والإناث.


الصفحة التالية
Icon