وهذه الجملة السامية فيها إفحام، واستنكار، وتهديد وتوبيخ، وقد أكد الله تعالى أنه لَا علم عندهم فقال: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ).
إنهم لَا حجة لهم من علم أوتوه، ولا من دليل اعتنقوه، ولكن الظن الذي سبق إليهم، وتوهموه حقا لَا شك فيه هو دفعهم، وإن الظن لَا يغني من الحق شيئا، فهو رجحان أمر في نفوسهم جعلوه حراما، وذلك الظن لم يبنوه ولو على دليل ظني مرجح، ولكن على خرص وتخمين سيطرت عليه أوهامهم ووجهتهم إليه، وهذا معنى أو قريب من معنى قوله تعالى: (إِن تَتَّبعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) و (إنْ) للنفي، و (إلا) للاستثناء، أي ما يتبعون إلا الظن، فهذه الكلمة السامية نافية أن يكون دليلا مقنعا أو ملزما باليقين، ولكنهم يتبعون ظنا ترجحه أوهامهم، وأكد أن الظن مبني على أوهام بقوله تعالى: (وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصونَ) أي ما هم إلا يخمنون تخمينا قائما على الأوهام المضللة، وقد ضلوا بذلك ضلالا بعيدا.
وقد التفت الله سبحانه في خطابه الكريم من الغيبة إلى الخطاب لتكون المواجهة أرهب في نفوسهم، وليفزعوا إلى الحق وليلتزموا قول الحق - ولكنهم لَا يعلمون.
* * *
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)
* * *
ساقوا كلاما كثيرا في تبرئة أنفسهم من ذنب شركهم، وتحريمهم بعض ما أحل الله، وطولبوا بالحجة، فلم يجدوا عندهم ما يستدلون به، وتحداهم رب البرية أن يأتوا بعلم أي علم، وقد بهت أولئك الكفار، بما طلب إليهم أن يأتوا به، وفى هذه الآية الكريمة يبين الله أن عنده الحجة البالغة أي التي تبلغ بصاحبها أقصى الحق والاستدلال، فـ (بالغة)، معناها مبلغة صاحبها أقوى الأدلة، كقول الله تعالى: (... عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، أي مرضي بها، أو مرضية، وإن استعمال المشتقات بعضها مكان بعض هو من أبلغ البيان العربي.


الصفحة التالية
Icon