ويحتمل أن المعنى أنها تكون في الدنيا صادرة عن نفوس طيبة مؤمنة، وتكون خالصة لله تعالى، وخالصة من كل إثم، أما غير المؤمنين فإن تناولهم لهذه الطيبات قد يكون إثم مبطئ من الخير، فحبطت أعمالهم، والاحتمالان جائز جميعهما، فيكون المعنى خالصة يوم القيامة لهم، وخالصة من الآثام في الدنيا، وختم الله - سبحانه وتعالى - الآية بقوله تعالت كلماته:
(كَذَلِكَ نُفَصَلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، أي كهذا البيان الذي بينه تعالى في هذا الشأن يفصل، أي يبين الآيات القرآنية والكونية لقوم من شأنهم أن يعلموا، فلا تغطي غواشي الأوهام والأهواء قلوبهم، فيدركون الحق ويعلمون بنور بصائرهم، ومن شأنهم أن يعلموا؛ ولذا عبر بالفعل المضارع والله تعالى أعلم.
* * *
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)
* * *
حرم أركون أو بعضهم اللبس في الطواف، وحرموا بعض الأطعمة، وأباح الله تعالى ذلك للمسلمين في غير إسراف ولا لتفاخر، بل بتجمل وتستر، بعد ذلك بين الله ما حرمه على الناس، وتحريمه مستمد من الفطرة؛ ولذا أمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم ما حرم والفطرة تحرمه. قال عز من قائل: (قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
أمر النبي - ﷺ - بقوله (قلْ)؛ لأنه مبين شريعة القرآن، والمبلغ لها، وبين لهم قصر التحريم على الفواحش والإثم والبغي، والشرك والكذب على الله.
و (إِنَّمَا): للقصر، أي أن التحريم مقصور على هذه المحرمات كلها، وأهل الشرك ما كانوا يتحرجون عنها بل ارتكبوها كلها، وقال سبحانه: (حَرَّمَ رَبِّيَ) للإشارة إلى أن المحرِّم هو رب الوجود ورب الإنسان الذي يعلم الفطرة، وفى ذلك إشارة إلى أن الذي حرم هذا، إنما حرمه متسقا مع الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو رب كل شيء، والفواحش هي الأمور التي تفحش وتزيد على