ذاته، لمن تكون له إرادة، لم يخالطها الهوى، ولم تسيطر عليها الشهوة، وإن النبي - ﷺ - قال: " بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا " (١).
ولقد روت عائشة - رضي الله عنها: " ما خير النبي - ﷺ - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن معصية " (٢).
وإن الله تعالى أنعم على المؤمنين يوم القيامة بهذا النعيم المقيم، وأنعم عليهم مع ذلك بنعمة المحبة، والرضا واطمئنان النفس؛ ولذا قال تعالى:
* * *
________
(١) سبق تخريجه.
(٢) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ... (٤٣)
* * *
إن الجنة مكان طاهر مطهر اختاره الله تعالى سكنا لعباده الأتقياء الأطهار، وإنه في مقامه لأطيب من أحب مسكن يختاره في الدنيا، كما ورد في الأثر.
وإنه لطهارته كان من فيه جميعا في طهارة كاملة حسية ومعنوية، طهارة الأبدان وطهارة القلوب التي في الصدور، وإن أشد ما يدرن القلوب الغل والحسد، والأحقاد الدنيوية، فإنها أمراض تصيب القلوب، لتجعل الإنسان في هم مستمر، وعذاب مقيم، فكان من مقتضى النعيم الذي أنعم الله به على الأبرار أن يتم عليهم نعمته بأن يكونوا في نعيم في قلوبهم، كما أن أجسامهم في نعيم؛ ولذا قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ).
ونزعنا: أي استخرجنا، والنزع أقوى من الاستخراج، لأن النزع إخراج ما هو متأشب (٣) بالقلب لَا يسهل إخراجه، ولكن الله تعالى ينزعه نزعا، ويبقى القلب مصقولا بنور المحبة والمودة، فيتحابون ويتوادون، ولا يتباغضون، ولقد قال
________
(٣) من التأشب، وهو التجمع من ههنا ههنا. لسان العرب - أشب.


الصفحة التالية
Icon