الفاء هنا فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، أي أنه بسبب تكذيبهم وكفرهم وصدهم عن سبيل الله تعالى أخذتهم الرجفة، وهي زلزال شديد، هز ديارهم هزا عنيفا فتهدمت على أهلها، وصاروا مقيمين أمواتا تحت ركامها، وذهب تعالى بهم كافرين، وكأنهم لم يكونوا فيها، ولم يقيموا بأرضها؛ ولذا قال تعالى:
(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) لم يغنوا أي كأن لم يكونوا مقيمين فيها، فقد قطع دابر القوم الظالمين، وذلك بسبب تكذيبهم لشعيب وصدهم عن سبيل الله، وإن الله تعالى غالب على كل شيء.
لقد تهدد الكافرون المتغطرسون المؤمنين بأن يكونوا خاسرين إن استمروا على اتباعهم لشعيب، فذكر - سبحانه - أن أولئك المكذبين هم الخاسرون حقا وصدقا، فقد خسروا أنفسهم فكفروا وضلوا، وخسروا ديارهم فهدمت، وخسروا يوم القيامة، فكانوا حطب جهنم، وهم فيها خالدون.
وماذا كان من أمر نبي الله تعالى الذي كذبوه وهو شعيب فقال سبحانه:
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أي أعرض عنهم عندما علم أنهم قد أصروا على الكفر إصرارا، وآذوا المؤمنين، أعرض عنهم ونزل بهم ما نزل، وعند إعراضه، قال لهم - عليه السلام - عند نزول البلاء عليهم، وقد توقعه فوقع (وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ) كيف أحزن على قوم كفروا، وأصروا على كفرهم حتى ماتوا وهم كافرين.
وفى هذا الكلام من نبي الله شعيب إشارة إلى محبته لهم ابتداء، وطلب الهداية لهم، ولكنهم كفروا، فلم يحزن عليهم، وكان غريبا أن يحزن عليهم مع موتهم كافرين.
* * *