خلاف والصلب. وقد كنا نقرأ ذلك ونعجب من أن يكون هذا من فرعون، ويرضى به الشعب المصري، ولكن رأينا ما يقرب منه؛ من طاغية يحاكيه في غير عصره، ورأينا من الشعب المصري من يهلل ويكبر، ويعاون!!
هذا ما هدد به فرعون ونفذ واختص السحرة بذلك، لأنهم أول من تمرد عليه من الشعب، وخشي أن يسري التمرد فشدد العقاب، وترك موسى وأخاه مؤقتا؛ لأنهما لم يكونا من المصريين، بل كانا من بني إسرائيل، ومع ذلك سينتبه إليهم.
وماذا كان موقف من آمنوا عن بينة، وعرفوا الفرق بين السحر والمعجزة لقد قوي إيمانهم؛ لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، سكن فيها، ولا يستطيع أحد ولو كان فرعون، ومن يحاكيه أن يخرجه من الصدور، لأنه وديعة القوي الجبار الرحمن الرحيم.
(قالوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ).
(مُنقَلِبُونَ) أي عائدون إلى ربنا، وهو القوي، فنحن قد لجأنا إلى ركن لا تقوى عليه أنت ومن معك ممن ألفناهم أتباع ظلم وظغيان، إنا عائدون إليه، وسيكون لنا النعيم الخالد، وهو يعوضنا من أذاك، وقد تحررت قلوبنا ورقابنا من طغيانك، يا من ألعن مَن في هذه الأرض، ومعك من يحاكيك عن جهل (أو عن علم) في غير عصرك.
ثم عللوا طغيان فرعون فقالوا:
(وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا... (١٢٦)
أي ما أخذوا علينا إلا حقا، نقموه علينا هو أننا آمنا بالمعجزة أو هي من آيات الحق التي جاء بها موسى، وهي آيات ربنا.
وأعلنوا صبرهم على الأذى ضارعين إلى ربهم قائلين: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) ربنا أفرغ علينا صبرا، أي أنزل علينا صبرا يملأ فراغ قلوبنا، وتوفنا مسلمين مخلصين لك يا رب العالمين.
* * *


الصفحة التالية
Icon