المصريون فقد لانت عقيدتهم، وصاروا مترددين لَا يؤمنون بشيء ولذلك قالوا لما قالوا؛ لأنه لم يثبت في قلوبهم التوحيد الذي جاءهم به موسى، وصاروا كالأعراب الذين قالوا لرسول الله محمد - ﷺ - آمنا، فأمر الله تعالى نبيه بأن يقول: (... قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ...).
والقوم الذين أتوا عليهم قيل إنهم كانوا بالسويس، إذ كانت أول يابسة جاءوا إليها، والله أعلم ما هؤلاء الأقوام، ولكن نستبعد أن تكون السويس؛ لأن ظواهر الأخبار تبين أنها كانت تحت حكم فرعون، وجزءا من مصر.
(قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، أي تجهلون العقائد السليمة، والعقائد الباطلة، والمتردد جاهل، غير مدرك، وإنهم خرجوا من حال كافرة إلى حال مؤمنة موحدة، ولما يدخل الإيمان قلوبهم.
وأكد لهم موسى ببيان بطلان هذه العبادة، فقال:
(إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ) هالك ما هم فيه، والتعبير يتضمن معنى التخريب والفساد، كما قال تعالى: (... وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبيرًا)، أي أنه عمل فاسد، لَا أصل له من الحق، فهم في ضلال (وَبَاطِلٌ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقدم الخبر على المبتدأ لتأكيده الحكم بالبطلان على ما يعملون، ثم أخذ رسول الله - ﷺ - يوبخهم على ما طلبوا من ناحية بطلانه في ذاته، ومن ناحية أنه كفر بالنعمة التي أنعم بها عليهم، فقال في توبيخهم في الأولى:
(قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا)، أي أطلب لكم إلها وحذفت اللام، وذلك توبيخ بالاستفهام الإنكاري، أي لَا يمكن أن أفعل ذلك وأنا الذي دعوت فرعون إلى التوحيد، وبيَّن أن ذلك كفر بنعمة الله تعالى، وهو يزيد الأمر استنكارا فقال: (وَهُوَ فَضَّلَكمْ)، أي جعل لكم فضلا (عَلَى الْعَالَمِينَ) بأن تولى هو إنقاذكم من ذل فرعون واستعباده. وهو دال على استنكار موسى بسبب ما أعطاهم الله من نعم لم ينعم بها أحد من العالمين، وهي آية عظيمة من آيات رب العالمين تدل على كمال توحيده، وأنه المتفرد بالإيجاد والخلق والتدبير، فقال:
(وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ... (١٤١)
أي اذكروا نعمة الله